فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      الخلاف - أسبابه وآثاره

      الخلاف بين المسلمين: أسبابه وآثاره

      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد

      (1)

      كتب الكثير من القدماء والمُحدثين في موضوع الخلاف أو الاختلاف. فهو موضوع مطروق لا نزعم أننا سنأتي فيه بجديد، لكنها إضافة فكر ووجهة نظر، قد تحمل فائدة إن شاء الله تعالى.

      وقد كان أول من وضع كتاباً خاصاً في علم الخلاف هو الإمام أبو زيد الدبوسي الحنفي، وعنوانه "تأسيس النظر". وضعه الإمام على طريقة الأحناف في تناول ما يتصل بالأصول عامة، ونعني تناولها من خلال شرح ما يتعلق بها من الفروع[1]. فقد قسّم الدبوسي كتابه ثمانية أقسام، يحوى كلّ قسم ما اختلف بعض الإئمة مع بعضهم الآخر فيه. وهو كتاب صغير الحجم، لكنه عظيم النفع لمن أراد ربط الأصول بالفروع في مسائل الخلاف. والظاهر أن هناك كتاب سبق كتاب الدبوسيّ وإن لم يصل الينا، حيث أورد ابن تيمية رواية عن عن رجلٍ وضع كتاباً أسماه الخلاف، فقال له الإمام أحمد: بل سمّه السعة[2].

      ومن أهم ما أُلِّف في هذا الموضوع هو كتاب "الإنصاف في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الإختلاف" للأمام ابن السيد البطليوسي[3]. كما تحدث الإمام الشاطبيّ بإسهاب عن موضوع الخلاف في الكتاب الرابع من الموافقات، بعد ذكر كتاب الإنصاف ذاك.

      كذلك كتب من بعد الدبوسيّ عديد من الإئمة، حيث تناولوا الخلاف من خلال حديثهم في موضوع الاجتهاد والتقليد  في علم الأصول، كابن حزم والآمديّ. كما تحدث فيه شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى في مواضع مختلفة، وأفرد كتابه العظيم الفائدة على صغره "رفع الملام عن الإئمة الأعلام" لهذا الموضوع. وتحدث ولي الله الدهلوي في "حجة الله البالغة"[4] في أمر الخلاف بشكل مختلف.

      أما المُحدثون، فيصعب حصرهم، إذ كتب في موضوع الخلاف كثيرون، من أجلّهم د عبد الكريم زيدان في كتابه "الإختلاف في الشريعة الإسلامية"، والشيخ عبد الرحمن عبد الخالق في رسالة صغيرة أسماها "القواعد الذهبية في فقه الخلاف"، وغيرهم كثير ممن كتب أبحاثا ورسائلاً في هذا الموضوع.

      كما كتب عدد من المحدثين في أثر الخلاف الواقع في الأصول خاصة، ككتاب د سعيد مصطفى الخن "أثر الإختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء" وهو دراسة وافية جليلة عظيمة الفائدة، لنيل شهادة الدكتوراه، كما ذكر صاحبه في مقدمته.[5]

      لكننا نسعى هنا إلى وضع موضوع الخلاف في قالبٍ أقرب لفهوم الشباب في واقعنا، إن أمكن ذلك، وربطه بالواقع ما أمكن، حتى يكون مما يدرسه الشباب، فيقع منهم موقع الفهم والاستفادة بإذن الله.

      (2)

      من المعلوم من الدين بالضرورة، هو أن القرآن قد نزل، رافعاً للإختلاف، ومقيداً للخلاف. وقد وردت اللفظتان في القرآن.

      قال تعالى "وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ " آل عمران 105

      وقال تعالى "إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ " النحل 124

      وقال تعالى "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا" البقرة 253

      كما قال تعالى في الخلاف، حكاية عن شعيب عليه السلام "وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ " هود 88

      وقد اعتبر غالب الفقهاء والأصوليين أن اللفظتين مترادفتان. إلا أن لي رأي في هذا الأمر خلاصته أن هناك فرق بينهما وإن دقّ.

      جاء في معجم المعاني: خالفَت/خالفَ عن يُخالف ، خِلافًا ومُخالفةً ، فهو مُخالِف ، والمفعول مُخالَف للمتعدِّي، وخالف بين الشَّيئين : جعل الواحد ضدَّ الآخر ، جمع بين نوعين مختلفين ، لم يلائم بينهما

      اخْتَلفَ ‏ الشيئان : لم يَتَّفِقا. سواء تضادا أم لا.

      فكما أشار بعض من تناول هذا الفرق، يظهر أن الاختلاف أعم من الخلاف. فالاختلاف كلّ ما غاير المقابل، سواء بمضادة أو لا. أمّا الخلاف فيحمل ظل التضاد، وعلى هذا، فعلى سبيل المثال، تعبير ابن تيمية الشهير "اختلاف التنوع واختلاف التضاد" يمكن أن يكون، لو أردنا التخصيص "اختلاف التنوع وخلاف التضاد". لكن التعبير على ما هو عليه، صحيح من جانب صحة ذكر العام بدلا من الخاص لشمول الأول للثاني.

      كذلك أشار أحد الباحثين، وهو د سامي الأبارة[6]، إلى فرق رأيته حسناً، وهو أن لفظ الخلاف أدق حين يأتي من أحد الأطراف التي جاءت باجتهاد مخالف للآخرين، كما في سورة هود عن شعيب عليه السلام، لا من الناظر من الخارج للرأيين، فيراها اختلافاً. والله تعالى أعلم

      لكن هذا الأمر قد يكون اصطلاحيا، فلا مشاحة فيه على العموم.

      وقد جاءت الشريعة رافعة للخلاف ودواعيه إجمالاً في الأصول كما ذكرنا، قال تعالى "وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا" النساء 91. وهذا في الأصول، كما قال الشاطبيّ "الشريعة كلها ترجع إلى قول واحد في فروعها وإن كثر الخلاف كما أنها في أصولها كذلك ولا يصلح فيها غير ذلك[7]

      (3)

      والاختلاف واقعٌ بين الأمم بدليل الشرع والواقع، كما أنه واقع في أمة محمد ﷺ شرعاً وواقعا كذلك. قال تعالى " وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ " هود. روى الطبريّ عن مجاهد: مختلفين هم أهل الباطل، من رحم ربك هم أهل الحق. وروى ابن كثير عن قتادة "وقال قتادة : أهل رحمة الله أهل الجماعة، وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم ، وأهل معصيته أهل فرقة، وإن اجتمعت ديارهم وأبدانهم". وما كان من الأمم البائدة كمدين وقوم لوط وقوم صالح والمؤتفكة وغيرهم مما حكى عنهم القرآن، وما أمم النصارى واليهود والهندوس والبوذيين والمجوس، إلا دليل على وقوع ذلك الإختلاف في الأديان. وهو اختلاف في قواعد البنيان الأصلية الذي تقوم عليها كلّ أمة، من حيث تصورها للخالق عز وجلّ، وعلاقته بالمخلوق، ودوره في الدنيا ومصيره بعد الموت. هذا على تأويل أن الاختلاف واقع بين أهل الأديان.

      وفي الحديث الصحيح "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي وفي بعض الرواياتهي الجماعة. رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.

      فبناء على هذا الحديث، قد يكون اختلافاً داخل الدين بين أهل السنة والجماعة (أهل الحق) وبين أهل الباطل (أهل الأهواء والبدع). قال الشاطبي في الاعتصام "وبين هذين الطريقين واسطة أدنى من الرتبة الأولى وأعلى من الرتبة الثانية ، وهي أن يقع الاتفاق في أصل الدين ، ويقع الاختلاف في بعض قواعده الكلية ، وهو المؤدي إلى التفرق شيعافيمكن أن تكون الآية تنتظم هذا القسم من الاختلاف ، ولذلك صح عنه صلى الله عليه وسلمأن أمته تفترق على بضع وسبعين فرقة ، وأخبر أن هذه الأمة تتبع سنن من كان قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع ، وشمل ذلك الاختلاف الواقع في الأمم قبلنا، ويرشحه وصف أهل البدع بالضلالة وإيعادهم بالنار ، وذلك بعيد من تمام الرحمة "[8]

      أما الخلاف الواقع بين مجتهدي الشريعة في فروعها فلا يقع تحت مدلول الآية ولا الأحاديث الوارد ذكرها أعلاه، كما يأتي بيانه إن شاء الله.

      (4)

      وللإختلاف الواقع بين المجتهدين، المفتين في الشريعة، أسبابٌ تقع تحت بابين رئيسين:

      1. الخلاف الواقع بسبب الاختلاف في الحكم الشرعي
      2. الخلاف الواقع بسبب الاختلاف في مناط الحكم

      وقبل أن نشرع في الحديث عن هذين البابين من الاختلاف، نود أن تفرق بين نوعين من الخلاف، يجريان في كلا البابين اللذين أشرنا اليهما، وهو الخلاف المُعتبر والخلاف غير المُعتبر.

      خصائص الاختلاف المعتبر

      • أن يكون الخلاف بين مجتهدين، لا بين مجتهد وعاميّ، أو بين عاميين. وتعريف المجتهد معروف مشروح في كافة كتب الأصول، نأتي منه هنا على قدر يناسب المقام.
      • فالمجتهد هو من (1) يملك من أدوات فهم الاستعمال العربي للألفاظ والتراكيب، وأنواعها والفرق بين منطوقها ومفهومها ودلالاتها، وحقيقها من مجازها. (2) يكون عالماً بأصول الفقه ومقاصد الشارع في أحكامه، عارفاً بقواعد الشريعة العامة، الأصولية والفقهية، متمكن من النظر في الدليل واستخراج الحكم منه، ولا يكون هذا حتي يميز العام من الخاص والمطلق من المقيد، والمجمل والمبيّن والمفسّر، وسائر ما يلزم من معرفة قواعد الأصول وأقوال العلماء فيها[9]. وينضم إلى هذين الشرطين الأساسيين، أن يكون عارفا بمواضع الإجماع، والناسخ والمنسوخ.
      • لكن هل يلزم المجتهد أن يكون عالماً متخصصاً في كلّ باب من أبواب العلم، كأن يكون محدثا حافظا كالبخاريّ، وعالما باللغة كالخليل، وعالماً بالأصول كالشافعيّ، عالما بالسيرة كابن هشام، عالماً بالفرائض كعليّ رضي الله عنه.. وهلم جر؟ والجواب، لا، لا يلزم ذلك، من حيث أن هذا نادر الوقوع، إن كان قد وقع أصلاً.
        • يقول الشاطبيّ "وقد حصل من هذه الجملة أنه لا يلزم المجتهد في الأحكام الشرعية أن يكون مجتهدا في كل علم يتعلق به الاجتهاد على الجملة بل الأمر ينقسم فإن كان ثم علم لا يمكن أن يحصل وصف الاجتهاد بكنهه إلا من طريقة فلا بد أن يكون من أهله حقيقة حتى يكون مجتهدا فيه وما سوى ذلك من العلوم فلا يلزم ذلك فيه وإن كان العلم به معينا فيه ولكن لا يخل التقليد فيه بحقيقة الاجتهاد"[10] الموافقات ج4 ص109.
        • وقد زاد الغزالي على الشاطبيّ أمرين: العدالة وفن علم الحديث، لمنصب المجتهد، قال " ومعظم ذلك يشتمل عليه ثلاثة فنون علم الحديث وعلم اللغة وعلم أصول الفقه"[11]
        • وقد شددّ الشاطبي والغزاليّ على علم العربية بالذات، لا على أن يكون مثل الخليل فيها، لكن على أن يكون ممن يفهم العربية "كما كان يفهمها العربي أيام رسول الله ﷺ. فهذا، ولا شك، قدرٌ، بالنسبة للمُحْدَثين، يقتضي تعمقا شديداً من حيث بعدت الشًقة بين الناس وبين لسانهم بعداً شاسعاً، أدى إلى عدم فهمهم القرآن، بله الاجتهاد فيه.
        • ما قال الغزالي مما يساند ما سبق "المقدمة الثانية فعلم اللغة والنحو، أعني القدر الذي يفهم به خطاب العرب وعادتهم في الاستعمال إلى حد يميز بين صريح الكلام وظاهره ومجمله وحقيقته ومجازه وعامه وخاصه ومحكمه ومتشابهة ومطلقه ومقيده ونصه وفحواه ولحنه ومفهومه والتخفيف فيه أنه لا يشترط أن يبلغ درجة الخليل والمبرد وأن يعرف جميع اللغة ويتعمق في النحو بل القدر الذي يتعلق بالكتاب والسنة ويستولي به على مواقع الخطاب ودرك حقائق المقاصد منه"[12]
        • وهذا الذي قلناه لا يقلل من ضرورة العلم بالأصول، وبمقاصد الشريعة، وبقواعدها الفقهية الكلية والفرعية، علماً يصوغ التركيبة العقلية للناظر، تتوجه به التوجه الصحيح في إدراك ما يليق بالفتوى في الحالات المختلفة باختلاف الزمان والمكان والحال.
        • وللغزالي هنا قولٌ يجب استيعابه، فإنه قد اعتبر العالم بالأصول أولى بالاعتبار ممن حفظ الفروع والمتون كلها، قال رحمه الله "والصحيح أن الأصولي العارف بمدارك الأحكام وكيفية تلقيها من المفهوم والمنظوم وصيغة الأمر والنهي والعموم وكيفية تفهيم النصوص والتعليل أولى بالاعتداد بقوله من الفقيه الحافظ للفروع، بل ذو الآلة ممن هو متمكن من درك الأحكام إذا أراد وإن لم يحفظ الفروع، والأصولي قادر عليه والفقيه الحافظ للفروع لا يتمكن منه"[13] وهو ما يبيّن جلالة العلم بالأصول، وإن نقص حفظ العالم الأصوليّ  للفروع أو حفظ المتون[14].
        • والوصول إلى هذا لا يكون إلا بإطالة النظر في علوم اللغة وبيانها، وطرق تراكيب الألفاظ وصياغات الجمل، ويعين على ذلك قراءة شعر العرب عامة، وكتب الأدب واللغة، كالبيان والتبيين للجاحظ أو الأمالي لأبي على القالي، أو الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي، وما هو في مقامهم. كذلك ينبغي التعرف على مصطلحات الإصوليين وترديد النظر في معانيها، وحضورها في الذهن، حتى تُصبح كملكةٍ للناظر، وكأنه لا يسعى جاهداً في الاستنباط منها، يقول الشاطبيّ "والمرتبة الثالثة: الذين صار لهم العلم وصفا من الأوصاف الثابتة بمثابة الأمور البديهية في المعقولات الأول أو تقاربها، ولا ينظر إلى طريق حصولها فإن ذلك لا يحتاج إليه. فهؤلاء لا يخليهم العلم وأهواءهم إذا تبين لهم الحق بل يرجعون إليه رجوعهم إلى دواعيهم البشرية وأوصافهم الخلقية"[15]
        • أما صفات العاميّ فهي كل من تتخلف فيه الصفات السابقة، وإن وقعت فيه صفة العدل.
      • وفيما سبق إجمال شديد، دفعنا اليه أنّ هذا المبحث في أسباب اختلاف العلماء، لا في شروط الإجتهاد، وإن ثبتت صلة قوية بين الأمرين. لكنّا آثرنا الإشارة إلى شروط الاجتهاد من باب الإئتناس، لا من باب التحقيق.
      • ومن خصائص الخلاف المُعتبر ألا يكون في موضع إجماع، فإن ذلك يجعل المخالف شاذاً في قوله، فلا يُعتبر خلافه، وفي الفقه من ذلك أمثلة لا تُحصي، مثل خلاف ابن عباس في زواج المتعة، وخلاف أبي حنيفة في أنّ للجارية فراش، وخلاف عثمان في إتمام الصلاة بمنى، وكثير غير ذلك على مدى العصور.

      (5)

      خصائص الخلاف غير المُعتبر

      • الخلاف الواقع بين مجتهد وعاميّ:

      ودرجات العاميّ تبدأ من المقلد، الذي يتبع مذهباً أو عالماً بمذهب، أو مجتهداً فيه، إلى العامي الذي لم يحصّل من العلوم الشرعية ما يؤهله للحديث في الشرع ابتداءً، بله مخالفة المجتهد.

      وحين نتحدث عن التأهيل للحديث في الشريعة، فإننا نواجه اليوم، في حاضرنا، كلّ ما يمكن أن يكون من مخاطر التصدي للفتوى، تحت مسميات عدة، كحرية إبداء الرأي، وأن الدين سهلٌ مُيسّر، إلى المرتبة الخامسة من مراتب الاجتهاد، قال فيهم ابن القيم في إعلام الموقعين "وكل من عداهم فمتشبع بما لم يُعط، متشبه بالعلماء محاك للفضلاء "[16]، ثم مرتبة الرويبضة، التي انتشرت كالنار في الهشيم[17].

      والتأهيل للتصدي للفتوى، وهو تحديد الحكم الملائم وتنزيل الواقع عليه، لا يتأتى إلا بممارسة العلم، مطالعة، وبحثا، وتنقيبا، ونظراً، ثم تدويناً. هذا ما كان عليه علماء المسلمين، بل وغير المسلمين، طوال الدهر. حتى أتى اليوم جيل من وصفهم رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح "المتشبع بما لم يُعط كلابس ثوبي زور"، وفي الصحيحين "من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة" .

      وصفات المجتهد، أو المؤهل للإفتاء، مدونة في مباحث الأصول، لكنها تخرج عن حيز هذا البحث، إلا في حدود ما ذكرنا أعلاه. إنما نريد أن نثبت هنا لزوم قدر من الاجتهاد ثابت مقررٌ عند من برز لإفتاء، وقبول له في الوسط العلميّ، بناء على ما قدّم.

      • الخلاف الواقع بين مجتهد على مذهب السنة والجماعة، وبين من ينتمي لفرقة من فرق المبتدعة:

      وقد اعتبر جمهور الأصوليين، أنّ قول صاحب البدعة، لا يعتبر في مسائل العقيدة على وجه القطع، خاصة فيما يتعلق ببدعته، ولا في مسائل الفروع إن خالف الأصول المتفق عليها بين أهل السنة في استنباط الأحكام. ومثال ذلك حكاية قول الظاهرية، مع عدم اعتبارها خلافاً فيما يمسّ القياس كدليل شرعيّ.

      • الخلاف الذي لا يقوم على أحد طرفيه دليل ولو مرجوح، لا يكون خلافاً مُعتبراً، بل يكون أحد الطرفين واقع في الحكم بالهوى والتشهي. والحكم بالهوى إما أن يكون من عاميّ جاهل، أو من مجتهدٍ غلب على نفسه رأي ارتآه، فعدل عن الحكم الصحيح. كذلك قد يقع إن تاه الدليل الصحيح عن المجتهد، أو إن قرر مذهبه دون ذكر الدليل. أما إن قرر دليلاً، وخالف فيه، بعض الفقهاء، أو جلّهم، لكن كان هناك وجه محتملً لقوله، ذُكر في الخلاف.

      كذلك يمكن القول إجمالاَ، أن الخلاف غير المعتبر هو كلّ خلاف لا تتوفر فيه خصائص الاختلاف المُعتبر.

      (6)

      أسباب الخلاف المعتبر

      وقد أتينا على ذكر بعض أسباب الخلاف الواقع بين المجتهدين في الشريعه من قبل، في سياق الحديث عن المجتهدين ودرجاتهم.

      لكن للأمر تفصيل أوسع وأعمق. وستكون خطتنا أن نتخير من أمهات الكتب التي تحدثت في هذا الأمر تفصيلاً، دون اتباع لطريقة نظمهم لها، بل سنرصّها في قالب يحوى ما جاء في تلك الكتب، وكأنه وحدة واحدة.

      (2)

      (7) نود أن نشير هنا إلى أمر هام، يتعلق بسؤال حول طبيعة الخلاف، هل كله مذموماً أو منه ما هو محمود؟

      والإجابة بيّنة، كما هو الحال في كلّ ما يتعلق بالشريعة، فمنه محمود ومنه مذموم. والحكم في ذلك هو موافقة قصد الشارع أو مخالفته.

      فالخلاف المحمود هو ما رجع فيه المتخالفون إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ عملاً بقوله تعالى " فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ" النساء 59. فالردّ إلى كتاب ورسوله ، ومن ثم لا ترى الخلاف المحمود ينشأ عنه التفرق والتشتت بين المسلمين.

      والمراد هنا، ليكون الحديث بشكلٍ أعم، هو أن يتحرى الفريقان المختلفان قصد الشارع الحكيم، إما نصا أو اجتهاداً، بما ثبت من الألة الشرعية، ولا يتعدّون بتقديم عقل على  نقل، إن ثبُت وخلا من العلة، وواطأ الدليل الشرعي، شرعا ولغة وعرفا، بهذا الترتيب، كما وافق المناط، تحت أية حجة من الحجج. وأن يتحريا أدب الخلاف الشرعي في المسألة، بإرادة الوصول إلى الحق، ودفع هوى النفس، وشهرة الأتباع، وإرادة التميّز، والحرص على عدم التقديم بين يديّ الله ورسوله ﷺ.

      والخلاف المذموم هو كلّ خلاف أتت فيه خصلة عكس ما في الخلاف المحمود.   

      (8)

      وكما أسلفنا ، قبل تلك المقدمات، أن أسباب الاختلاف في فتاوى العلماء ترجع إلى البابين اللذين ذكرناهما في قسم (4) أعلاه، وهما :

      1. الخلاف الواقع بسبب الاختلاف في الحكم الشرعي
      2. الخلاف الواقع بسبب الاختلاف في مناط الحكم

      ***

      1. الخلاف الواقع بسبب الاختلاف في الحكم الشرعي:

      للحكم الشرعيّ مصادر، هي الأدلة. والأدلة ترجع إلى الكتاب والحديث والإجماع والاجتهاد. فيتحصل أن كلُّ من تلك المصادر يحدث فيها خلاف بين العلماء. ثم تنقسم إلى خلاف من ناحية اللغة وأسلوبها وسياقها ومعاني كلماتها، أو إلى فهم ما تدل عليه بجملتها. فهو بهذا ثمانية أقسام، ويضاف لها الناسخ المنسوخ في دليل الكتاب، فتصير إلى تسعة كاملة.

      وسنتحدث بإذن الله تعالى عن الخلاف بسبب الحكم الشرعيّ في قسمين:

      1. الخلاف المبني على اعتبار الأدلة تقديما وتأخيراً.
      2. الخلاف المبني على سبب من اللغة بمناحيها

      (9)

      • ما وضعه عدد من أئمة العلماء من السلف الصالح في موضوع الخلاف:

      وقد تحدث العلماء في كتب الأصول عامة، وفي بعض الكتب التي وُضعت للحديث عن الخلاف خاصة، وعلى رأسها وأكملها موضوعاً وأشملها نوعاً، كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية "رفع الملام"، وكتاب الإمام ابن السيد "الإنصاف" الذي سبقت الإشارة اليه. كذلك أتحفنا الإمام الشاطبي بعدد من المسائل الهامة في موضوع الخلاف، مما لا يَستغني عنه من يتصدى للفتوى، في كتاب الموافقات. وقد تركنا الاعتماد على كتاب "تأسيس النظر" للإمام الدبّوسيّ، مع جلالة قدره، من حيث أنه يرجع في أمثلته إلى الفقه الحنفي واختلافه، وكذلك لأنه على مبني على طريقة الأحناف في تخريج الفروع على الأصول، وهو ما فعله في تخريج مسائل الخلاف التي تناولها.

      وقد أرجع ابن تيمية، في رفع الملام، الخلاف إلى ثلاثة أقسم[18]، تدور كلها حول الحديث، وهي

      • عدم اعتقاد أن النبي ﷺ قد قال الحديث
      • عدم اندراج المسألة المطروحة تحت دلالة ذلك الحديث.
      • اعتقاد النسخ في الحكم الوارد على المسألة

      ثم قسّمها إلى عشرة أسباب، تقع تحت أي من الأقسام العشرة السابقة، وهي

      • ألا يكون الحديث قبل بلغ المفتي، وهو الأغلب في الخلاف.
      • أن يكون الحديث قد بلغه، لكن لم يصح عنده السند لعلة ارتآها فيه
      • اعتقاد ضعف الحديث عنده، في رواية معينة أخذ بها، مع ثبوته من رواية أخرى عند من خالفه.
      • اشتراطه شروطا معينة في العدل الحافظ، في خبر الآحاد، خالفه فيها غيره.
      • أن يثبت عنده الحديث ولكنه نسيه.
      • عدم معرفة دلالة الحديث، وهذا لأسباب
        • غرابة اللفظ عنده
        • عدم مطابقة لفظه عنده، لما عهد من معناه في عهد النبيّ ﷺ لتبدل عرف أو دلالة.
        • ما يتعلق باللفظة المفردة، كالاشتراك، أوالتردد بين الحقيقة والمجاز، أو الإجمال.
        • معرفة الدلالة، مع اعتقاد مخالفتها لأصول ثابتة عنده، أو لقواعد كليّة.
      • اعتقاد أن دلالة الحديث قد عارضتها دلالة أخرى مقدّمة عليها.
      • اعتقاد أن دلالة الحديث غير مرادة في إثبات هذا الحكم
      • أن يُعارض الحديث لديه، بما يصلح أن يكون معارِضا مقبولاً، إما لاعتقاد ضعفه أو تأويله أو نسخه، أو معارضته إجماع بناه على عدم معرفة المُخالف، مع غلطه فيما اعتقده.
      • يُعارض الحديث لديه، بما لا يصلح أن يكون معارِضا مقبولاً، إما لاعتقاد ضعفه أو تأويله أو نسخه، كمعارضة الحديث بظاهر القرآن، والغلط في ظاهر القرآن، وكاعتبار إجماع أهل المدينة حجة على الخبر الصحيح[19]، ومعارضة الحديث[20] للقياس الجليّ.
      • ثم أورد شيخ الإسلام بعد ذلك تفصيلاً جليلاً يتناول مسألة واحدة، أورد عليه اثني عشر رداً، وهي لحوق الوعيد بفاعل المحرم الوارد فيه وعيد من آيات وأحاديث، مختلف فيها، ولحوق الوعيد بمن ألحق الوعيد في فاعل المحرم على هذه الصورة من الإختلاف. وسأورد رأيه في هذه المسألة، وهو ما نراه فيها إن شاء الله تعالى.

      أما عن كتاب ابن السيد البطليوسيّ "الإنصاف"، فقد جاء مغايراً لكتاب "رفع الملام" من حيث البناء وصيغة التناول، وإن اتفقا كثيراُ في أسباب الخلاف، مع اتساع كتاب الإنصاف في إيراد أسباب تشكل أبوابا أكثر مما أورد شيخ الإسلام في إعلامه، فأرجعها ابن السيّد إلى سبعة أبواب[21]، هي:

      • اشتراك الألفاظ والمعاني
      • الحقيقة والمجاز
      • الإفراد والتركيب
      • الخصوص والعموم
      • الرواية والنقل
      • الاجتهاد فيما لا نصّ فيه
      • الناسخ والمنسوخ

      ويتضح التوافق بين مناحي الخلاف عند ابن تيمية وابن السيد، مع اختلاف التقسيم عند كليهما.

      ومن أشهر ما دُوِّن في التعليق على مسألة الخلاف، ما جاء في الموافقات للشاطبيّ، والذي أفرد له عدة مسائل، في كتاب الاجتهاد، الطرف الأول من المسألة الثالثة إلى المسألة الحادية عشرة، يتفرع من كلّ منها عدة فصول. ونذكر تلك المسائل بعناوينها:

      • بيان أنه لا اختلاف في أصول الشريعة ولا في فروعها
      • مواطن الاجتهاد المعتبر هي ما تردد بين طرفين واضحين
      • خطأ المجتهد زلة تنشأ من التقصير أو الغفلة
      • خطأ غير المجتهد زيغٌ سببه تحكيم الهوى واتباع التشابه ومفارقة الجماعة
      • في بيان أسباب الخلاف بين حملة الشريعة
      • من الخلاف ما لا يُعدّ خلافا في الحقيقة بل يرجع للوفاق

      ومسائل الشاطبيّ تُعتبر تحليلا وتفصيلا لجمل في الخلاف على مستوى أوغل في التقعيد  من مجرد ذكر أسبابه، التي وردت كما رأينا في رفع الملام والإنصاف.

      كذلك دوّن ولي الله الدهلوي كتاب "الإنصاف في معرفة أسباب الاختلاف" وذكره في كتابه حجة الله البالغة". وقد اهتم في غالبه بالاختلاف بين الصحابة والتابعين، كما أورد آراء قيمة في طبقات المجتهدين، يستنير بها الناظر في كتب الأولين والآخرين.

      ثم نشرع بعون الله تعالى في وضع ما نراه من أسباب الخلاف، بعدما أتينا على أشهر ما ورد عنها جملة في بعض كتب السلف.

      (3)

      (10)

      الخلاف الواقع بسبب تحديد الحكم الشرعيّ المُستدل به على الواقعة

      وهذا الخلاف، ينشأ عن عدم اتفاق الإئمة في تحديد الحكم الشرعيّ المتعيّن في الواقعة. وذلك بسبب اختلافهم في مصدر الحكم، واعتبار الأدلة الموصلة اليه.

      1. وقد يكون الخلاف في الدليل، من ناحية ثبوته أو معناه وتأويله. وثبوت الدليل يكون في أصله أو في جزئياته
        1. الخلاف في أصل الدليل، وأمثلته
          1. أخذ مالك بعمل أهل المدينة والقياس وتقديمهما على خبر الآحاد
          2. تخصيص مالك للعام بالمصلحة المرسلة
          3. تقديم مالك الأصل على القياس
          4. الاختلاف في علة القياس
        2. الخلاف في جزئيات الدليل، وأمثلته
          1. عدم ثبوت صحة الحديث
          2. عدم الاتفاق على تأويل الحديث أو الآية
          3. الخلاف في دلالات الألفاظ
          4. الخلاف حول الناسخ والمنسوخ
      2. أو يكون الخلاف في قطعية الأصول ذاتها، أو القاعدة الأصولية المبنية على جزيئات المسألة

      وسنشرع في الحديث على كلّ نقطة مما ذكرنا بما يفتح به الله، دون توسع ممل أو اختصارٍ مخلّ.

      (11)

      1. باب الإختلاف في أصل الدليل الشرعي

      اختلف الفقهاء في أصولهم التي يبنون عليها مذاهبهم الفقهية. فقد أخذ بعضهم بأصول لم يرتضيها غيره. كما أن البعض أعمل الدليل بطريقة تختلف عن غيره، أو تحت اسم مغاير. وكان هذ الأمر، فيما أرى، هو أهم مصادر الاختلاف بين الفقهاء في الأحكام الشرعية.

      ويمكن دراسة الخلاف الحاصل بين الفقهاء بطريقين مختلفتين، أحدهما هو النظر في الدليل وتحديد موقف الفقهاء منه، والآخر هو النظر إلى بعض الخلافات الفقهية ثم الإشارة إلى اختلاف الفقهاء فيها وسبب خلافهم. وسأحاول هنا الاستفادة من الطريقين ما أمكن، ليكون أفيد للقارئ وأوسع في التعرف على أوجه الخلاف، والله المستعان.

      (12)

      • باب الإختلاف في أصل الدليل الشرعي:
      1. أخذ مالك بعمل أهل المدينة وبالقياس وتقديمهما على خبر الآحاد[22] (وهو أخذه بعمل صغار الصحابة)، مثال اعتماده على المدّ والصاع المعروف في المدينة، والأخذ بشهادة الصِبْية في الجراحات بينهم قبل أن يتفرقوا. وفي تقديمه القياس على خبر الآحاد أحكام عديدة منها ما ورد في حديث ولوغ الكلب في الإناء، وحديث خيار المجلس. والعمدة هنا ما قرره الشاطبي من أن مالكاً يرد خبر الآحاد إن عارض قاعدة مقطوع بها في الشريعة، قال" أولا إن هذه أخبار آحاد في قضية واحدة لا ينتظم منها استقراء قطعي والظنيات لا تعارض القطعيات فإن ما نحن فيه من قبيل القطعيات"[23] وواضح فيه تقديم الأصل القطعي على حديث الآحاد، وهو ما وافقه عليه أبو حنيفة، خلافا للشافعي الذي قدم خبر الآحاد الصحيح.

      إلا أن المالكية اختلفوا بينهم في "الإجماع" الذي يعتمده مالك، فمنهم من قال إجماع أهل المدينة هو الإجماع وهو ما حكاه عنه الغزالي في المستصفى. ومنهم من قال بل هو يعتبر إجماعا غير إجماع أهل المدينة، حيث فرّق القرافي بين الإجماع، وإجماع أهل المدينة في ذكره للأدلة الشرعية عند مالك، قال "فلنتكلم أولاً عن أدلة مشروعيتها، فنقول: هي الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وإجماع أهل المدينة، والقياس، وقول الصحابي، والمصلحة المرسلة، والاستصحاب والبراءة الأصلية، والعوائد، والاستقراء، وسد الذرائع، والاستدلال والاستحسان، والأخذ بالأخف، والعصمة، وإجماع أهل الكوفة، وإجماع العترة، وإجماع الخلفاء الأربعة".[24].

      1. تخصيص مالك للعام بالمصلحة المرسلة: مثل تخصيص المرأة الرفيعة القدر من الإرضاع لمصلحة إبقائها على جمالها، خلافا للشافعية. وهو دليل على التخصيص بالعرف والعادة كذلك
      2. تقديم مالك الأصل على القياس: خلافا للشافعية والحنفية: والأصل يعني القاعدة الكلية،  ومثله في المشاركة في الأضحية، فقد جاء الحديث في أحد روايات مسلم "سنّ رسول الله ﷺ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة" وهو في الهدي. فقاس أبو حنيفة والشافعي الضحية على الهدي في المشاركة، وقدّم مالك الأصل وهو أنه لا يسمى من شارك غيره في الأضحية بمُضحٍ، والتضحية لا تحتمل التبعيض، وعلل الحديث بأنه في هدي التطوع من حيث أنه كان في صلح الحديبية[25].
      3. الاختلاف في علة القياس: قد أحسن الشافعي في موضوع القصاص بين العبد والعبد في الجراحات (قطع الإطراف)، فقد اعتبر الأحناف وغيرهم المالية في القصاص، فلم يوجبوا قطع طرف بطرف، أما الشافعيّ فقد اعتبر الآدمية، فأوجب الطرف بالطرف[26].

      (13) 

      • الخلاف في جزئيات الدليل:

      والمقصود هنا هو الاختلاف الدائر حول الحديث، رواية ودراية.

      1. فالحديث الصحيح، إن كان متواتراً فلا يعارض بأي دليل شرعيّ آخر، أيّا كان، فالتواتر يفيد العلم اليقينيّ، وهو ما ثبتت به قطعية القرآن. فمن عارضه استتيب.
      • أحاديث الآحاد: وهي ما لم يرتقِ في عدد روايته إلى التواتر، فيسمونه المشهور، ثم الآحاد، وهو ما ثبت عن طريق صحابي أو اثنين أو ثلاثة، اختلفوا في عدد ما يكون به حديث آحاد. وهذا الأخير هو عمدة الأحاديث وأغلبها.

      واختلفوا في قطعيته أو ظنيته، وإفادته للعلم أو للعمل، لكن ما اتفقوا عليه هو وجوب العمل به على وجه القطع، إلا عند بعض المتكلمين. ومذهب أهل السنة هو أن خبر الآحاد الصحيح المتصل بسند عالٍ قوي، يفيد العلم اليقيني، فيكون التعارض بينه وبين غيره من الأدلة حسب قواعد التعارض بين قطعيين، حسب أصول كلّ مجتهد. وظاهر مذهب الأحناف عدم قبوله معارضا للعموم القطعي، وإن ترددوا في ذلك[27]، ووافقه مالك كما قررنا أعلاه.

      وقد فرقوا في أحاديث الوعيد بين التحريم وعدم العمل عما فيه من نهيّ، وهو ما يثبته الجمهور، والحاق الوعيد على المعين، وإن أثبتوه إجمالا[28]، من حيث إنه خبر آحاد، فإثبات إحباط العمل، ودخول النار، لا يكون إلا عن طريق دليل قطعيّ. ومثال ذلك ما ورد عن عائشة رضي الله عنها في حديث زيد ابن أرقم رضي الله عنه "عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة في نسوة ، فسألتها امرأة ، فقالت : يا أم المؤمنين كانت لي جارية فبعتها من زيد بن أرقم بثمانمائة إلى العطاء ، ثم ابتعتها منه بستمائة ، فنقدته الستمائة ، وكتبت عليه ثمانمائة، فقالت عائشة بئس ما اشتريت وبئس ما اشترى، أخبري زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب ، فقالت المرأة لعائشة أرأيت إن أخذت رأس مالي ورددت عليه الفضل، فقالت "فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف"[29].رواه الدارقطني    

      ثم قد لا يصل الحديث إلى مجتهد، كما روي عن بعض الصحابة، مثل جزية المجوس التي لم يأخذها منهم عمر رضي الله عنه حتى أخبره عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه قول النبي ﷺ "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"[30] وهو ما فعله ﷺ مع مجوس هَجَر.  كذلك ما كان يأمر عمر رضي الله عنه من منع التطيب قبل الإحرام، فحدثت عائشة رضي الله عنها بما ورد في الموطأ ومسلم عنها "كنت أطيّب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يُحرم، ولحلّه قبل أن يطوف بالبيت". كذلك ما ورد عن عمر رضي الله عنه في دية الأصابع، فقضى فيها بالتفاوت حسب المنفعة، حتى جاء ما يثبت أنها متساوية الدية، وذلك ما جاء في حديث رواه جمع من الصحابة بألفاظ متفاوتة منها عن ابن عباس "وفي كل أصبع عشر من الإبل"[31].

      وقد يختلف المجتهدون في قبول المرسلات، فقبِل أبو حنيفة المرسل إلى تابعي التابعين، وهو من صغارهم. بينما قبل الشافعي مرسل التابعي بشروط تجدها مبسوطة في كتب الحديث.

      فمن الأحاديث التي قبلها أبو حنيفة عن الهيثم أن النبي ﷺ إنه كان إذا دخل رمضان صلى وصام، حتى إذا كان في العشر الأواخر شدّ المئزر وأحيا الليل" والهيثم من تابعي التابعين. وقد روي الطبراني قريبا من هذا اللفظ عن أنس وعائشة بسند متصل. ورواه مالك في الموطأ عن مسروق عن عائشة مرفوعا[32].

      1. وقد يقع الخلاف بسبب فهم تأويل الحديث وثبوته ومؤداه في آن واحد، مثل حديث عائشة "أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ثلاثاّ" فقد أخذ به جمهور الفقهاء من الحنابلة والشافعية وبعض المالكية، وعضدوه بحديث "لا نكاح إلا بشاهدي عدل وولي مرشد". فالمثبتون للولاية صحّحوا الحديثين. وقال بعض المالكية والأحناف ليس فيها دليل يعارض النصوص الدالة على تمكين المرأة من تزويج نفسها كقوله تعالى "فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن"، والحديثان فيهما اختلاف في الصحة، كما يُقال أن حديث "بغير إذن وليها"، قد يُفهم منه إذن من لها ولي، لا لكلّ امرأة، كما احتجوا بقياس ولاية البالغة على نكاحها بولايتها في المال[33].

      وقد يحدث الاختلاف بسبب عدم سماع أجزاء من الحديث كما جاء عن بعض الصحابة، مثل ما روي عن عائشة رضي الله عنها في رواية أبي هريرة رضي الله عنه في حديث "إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلاَثَةٍ: فِي الفَرَسِ ، وَالمَرْأَةِ ، وَالدَّارِ"[34]. قالت عائشة: والله ما قال هذا رسول الله صلى الله عليه و سلم قط وإنما قال كان أهل الجاهلية يقولون إن يكن الشؤم ففي ثلاث الدار والمرأة والفرس[35]. ويجب التنبيه إلى أن حديث أبي هريرة هو الصحيح، إذ رواه أحمد وأبو داود بلفظ آخر عن عبد الله بن عمر وسهل بن سعد رضي الله عنهما. لكن تأويل الحديث هو ما جعل السيدة عائشة ترفض رواية أبي هريرة مع ثبوتها القطعي، لما ثبت عندها من أدلة قرآنية وأحاديث نبوية تدل على عدم إطلاق الشؤم، كما ورد في أحاديث النهي عن الطّيرة، وأحاديث مدح الخيل وغيرها.

      (13)

      1. القول في دلالات الألفاظ [36]:

      ودلالات الألفاظ كثيرة متنوعة، تتحد في أسماء بعضها عند الفقهاء، ويختلفون في تسميتها مع اتحاد المعنى. كما تختلف في مقصودها، بين منطوقها ومفهومها، صريحها ومُبهمها. وسنذكر طرفاً منها، إن شاء الله، لنبين كيف اختلف بسببها الفقهاء.

      • العام والخاص: وتعريف العام

      وتعريف العام أنه "عبارة عن اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعدا مثل الرجال والمشركين ومن دخل الدار فأعطه درهما ونظائره"[37]. وللعموم صيغ عدّها الغزالي خمس صيغ، وهي  محصورة تجدها في مذكورة في كتب أصول الفقه عامة.

      واختلفوا في دلالة العام على عمومه، إلى ثلاثة مذاهب، مذهب اعتبار العموم عام يشمل كل أفراده ويقبل التخصيص بالقرينة سواء قلنا متصلة أو منفصلة (والأخيرة أسماها الأحناف الاستثناء). والمذهب الثاني وهو التوقف حتى يأتي ما يخصص العام، وهو مرجوح. والثالث وهو أن العموم مخصوص بالوضع، فلابد من وجود مخصص، فإن وُجد، بقي العام بعدها على رأيين: دالاً على كل ما بقي داخلاً فيه بدلالة قطعية، أو ظنية.

      وقد اختلف الفقهاء في تحديد قوة العام ودلالته على ما يشتمل عليه بعد التخصيص، وتقديمه على بقية الأدلة الاجتهادية، بعد تخصيصه، حسب اعتبار القطعية والظنية فيما بقي بعد التخصيص كما ذكرنا. وما عليه المحققون أنّ العام يكون حجة فيما بقي مشتملاً عليه بعد التخصيص، وإن جاز أن يقبل التخصيص بعدها بدليل أضعف من ذي قبل[38]. والقاعدة المعمول بها هي أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

      فقد خصص العام في آية "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" المائدة 33، بحديث رواه البخاري ومسلم عن عائشة وابن عمر رضي الله عنهما "لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا".

      وأمثلة الاختلاف في ثبوت العموم وقطعيته، كثيرة جدا، من حيث تأتي في كلّ مسألة يُخص فيها بمخصص من السنة، متصلا أو منفصلا، حسب نظرة كل إمام للمُخصص، أو بمخصص من القياس أو غيره كما سيأتي.

      فمثال ذلك ما جاء في منع الظاهرية أكل الذبيحة التي لم يسم عليها بإطلاق عملا بقطعية العموم في قوله تعالى "ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه". بينما ذهب الجمهور إلى حلّها بدليل حديث البخاري عن عائشة رضي الله عنها "فقال سموا عليه أنتم وكلوا"[39]. كما استشهد الجمهور بإباحة ذبائح أهل الكتاب، وهي لم يُسم عليها قطعا.

      كذلك اختلف الفقهاء في أكل العضو البائن من الصيد، فمنهم من أحلّه لعموم قوله تعالى "فكلوا مما أمسكن عليكم". ومنهم من خص العموم بحديث "ما قُطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة"[40].

      ومن أشكال الخلاف هنا تقديم العام على القياس: وبه يأخذ المالكية، وإن عارضه الشاطبي منهم، ومثاله تحريم بيع الأرز بالأرز قياسا على البر بالبر، لكن العموم في قوله تعالى "وحرم الربا" لا يدل على عدم حل الأرز بالأرز، بل هو ما خُصص بالحديث في الأصناف الستة، فلا يصح تقديم تخصيص القياس على النص القرآني[41]. بينما نرى الشافعي يقدّم النص العام على القياس[42]، لكنه يقدم خبر الواحد على العام الذي خُصص، خلافا للأحناف الذين يجعلون للعام قوة قطعية حتى بعد تخصيصه[43].

      (14)

      • ثم الكلام إما نصّ وإما ظاهر: فالنص ما دل عليه الكلام، وقد جاء بسببه، والظاهر ما دلّ عليه الكلام، ولكنه لم يرد بسببه. ودلالة النص أقوى قطعا من دلالة الظاهر.

      ثم اللفظ المفرد، قد يكون مشتركاً، أي موضوعاً لأكثر من معنى، كالعين للماء وعين الإنسان والجاسوس، أو يكون مبهماً أو مجملا فيجب بيانه، أو عاما فيجب تخصيصه أو مطلقا فيجب تقييده. والاختلاف يقع في اعتبار اللفظ أولاً، ثم فيما يبيّنه أو يخصصه أو يقيّده، سواء من النص أو من خارجه، وسواء باعتبار الحقيقة أو المجاز فيه. ومعلوم أمر ما يُقال عن مخالفة ابن تيمية لكثير من علماء الفقه واللغة، كابن جنيّ، في إنكار المجاز أصلاً[44]، من أن كلّ لفظ قد وُضع لحقيقة استعماله فيها. وما يظهر لي أن ابن تيمية قد اعتبر الاشتراك في الألفاظ، وهو ما أسماه غيره مجازاً، أنه حقيقة فيه، وأنّ هذا اختلاف اصطلاحيّ لا أكثر.

      وللأئمة مذاهب في اعتبار عموم المشترك، فالشافعية على أن الاسم المشترك عام يشمل ما يقع عليه الاشتراك، إلا إن وردت قرينه، خلافا للأحناف.

      وللإشتراك في اللغة كثير من الأوضاع، ذكرها ابن السيد في ثلاثة أقسام:

      "أحدها اشتراك في موضوع اللفظة المفردة

      والثاني اشتراك في احوالها التي تعرض لها من اعراب وغيره

      والثالث اشتراك يوجبه تركيب الألفاظ وبناء بعضها على بعض"[45]

      فأما اختلافهم بسبب الاشتراك في اللفظ ما جاء في التخيير في دية المقتول عمداً، فالشافعي أخذ بعموم اللفظ المشترك المتضاد في المعنى، في قوله تعالى "فقد جعلنا لوليه سلطانا" فالسلطان يعني التخيير بين القصاص أو الدية أو العفو، أم مالك وأبو حنيفة فلم يأخذوا بذلك فقضوا بالقصاص، أو العفو مع اشتراط موافقة الجاني[46].

      كذلك الاشتراك في موضوع اللفظة المفردة، الحامل لمعان متضادة،  كالقرء، م