فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      الأخلاق في القرآن الكريم (1)

      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه وبعدد

      مقدمة:

      فقد كانت أمنيتي منذ أن تعرفت على كتاب الله تعالى وتسرب من حكمته إلى عقلي ومن عَبَقه إلى صدرى ومن أسلوبه إلى تصرفي وقلمي، أن أدون شيئاً في الموضع الذي وضعته عنوانا لهذا المبحث "الأخلاق في القرىن الكريم".

      ذلك أنّ القرآن حين تنزّل على رسول الله المصطفى ﷺ، كانت العرب على خلق تشابكت فيه جاهلية قديمة عقيمة مظلمة، وأعراف مستقرة بالية، وخُلُق فيه مما فُطروا عليه من مصدرين، طبيعتهم الصحراوية البدوية، وما انحدر لهم من إرث إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام من ناحية أخرى. فكان فيهم الكثير من محاسن الخُلُق والشهامة وإكرام الضيف وعدم الرضى بالضيم، وفيهم من مساوئ الخُلُق كثير، كوأد البنات وفشو الزنا، والخمر والربا.

      وكانت تلك الخلطة الأخلاقية، بعُجرها وبُجرها، من أسباب اختيار ربّ العالمين لتلك الأمة، الضائعة وقتها، الرائعة بعدها، لرسالته الخاتمة، واختيار رسول الله المصطفى ﷺ، للرسالة الخاتمة فيها.

       وقد ورد عن السلف الصالح أنه "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها". وهو قول من أصدق ما قيل عن أمة محمدٍ ﷺ. ذلك أنّ طبيعة هذه الأمة، التي عاش سلفها، ولا يزال يعيش خلفها، في جو صحراوي جافٍ تُشكلّ أرضه الواسعة كلها، وعليها بعض منافذ بحرية تحيط بها، ثم نهرين أساسيين، هما النيل والفرات، جعلتا لهذه الأمة خصائص معينة من ناحية التكوين النفسي والتركيبة الإجتماعية. وهذان الأمران، أعنى التكوين النفسي والتركيبة الإجتماعية، هما المكونان للأعراف والأخلاق، من حيث أنّ الأعراف هي الخلق الإجتماعي الذي يتواطئ عليه مجموع الناس في بيئة محددة، ليكون خلقاً مقبولاً لدي الجميع، يثير الخروج عليه الانتباه اشمئزازا ورفضاً.

      وقد أشار القرآن الكريم إلى أثر البيئة في التكوين البدني والخلقيّ، وما يتعارف عليه الناس، علوّاً وسفولاً. قال تعالى في حق بني إسرائيل "وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّه ۗ " البقرة 261. فقد تعودت بني إسرائيل على أكل الدنيّ من الطعام، فلم يصبروا على الغني منه، ولذا تشكلت إخلاقهم من هذا الدنيّن فكانت سبباً في تصرفاتهم التي ضربت عليهم الذلة والمسكنة. وقد أشار ابن خلدون في مقدمته إلى أثر البيئة على التكوين البدنيّ والخلقي لبني آدم في كتابه العظيم "مقدمة ابن خلدون"[1].

      فالخلق الفرديّ هو وليد التفاعل بين الشخصية الفردية وبين العادات والأعراف الإجتماعية التي تكوّن الخلق الاجتماعيّ.

      وقد جاء القرآن الكريم بأفضل ما يكون عليه الخلق الفرديّ، وبأفضل ما يجب ان يكون عليه العرف الإجتماعيّ، من حيث علم الله سبحانه تلك العلاقة التي ذكرنا، وجمع بينهما في افضل تناسق يرفع التعارض ويضع سنة التدافع في موضعها. بينما نرى الحضارات الوضعية تفتخر بأنها وضعت التصرف الفردي مطلق عن التقييد والتحديد، بينما قيدت المجتمع بقيود لا يتعداها، بصرامة القوانين الوضعية.

      ماهية الأخلاق

      الخلق هو الطبع الملازم للإنسان في كل حالاته في باب من أبواب التصرف. وقد جعله الله سبحانه من فطرة الإنسان السويّ، في بعض جوانبه، وإن جنحت كفة الميزان في الاعتدال تارة نحو المبالغة وتارة نحو التقصير، بشكل متقلبٍ أو دائم، حسب طبيعة الفرد. ويعرّفه الفلاسفة بتعريفات كثيرة، من أقربها للصواب ما قاله جان جاك روسو، أنها تلك الملكة التي تجعلنا نميّز الخير من الشر، وما يعود علينا من نفع أفراداً وجماعات.

      أما الأخلاق الإجتماعية، أو الأعراف، فهي وليدة تمازج الأفراد، وتولّد القناعات، قرونا بعد قرون، بعد أن أنشأتها الفطرة، ثم أيدها العقل، وارتكزت في الشعور، ونزلت بمعاييرها الصحيحة في إعتدالها الرسالات. ولاشك أن هذا الخُلق الاجتماعي هو مركب من خُلق إفراده، التي يجتمعون عليها، لتصبح لمعنى "الثقافة"، التي يمكن تعريفها بأنها "التصرفات المتماثلة التي يقوم بها أفراد المجتمع دون شعورٍ منهم بها" [2].

      وقد وضع القرآن الكريم قواعد الأخلاق وبيّنها ووازن بين أطرافها، مصالحا ومفاسدا، فمال بها إلى الرحمة في موضعها، وإلى الشدة في موضعها، وإلى التوسط الكريم في غالبها، فكان مرشدا وهاديا للفطرة السويّة.

      والقرآن ملئ بالتوجيهات الخُلُقية والتربوية الثمينة، كيف لا، وقد قال تعالى "أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ". فهو سبحانه يعلم ما يُصلحنا، وما يُفسدنا، أفراداً وجماعات.

      وتلك التوجيهات تأتي في إطارين:

      أولهما النص المباشر الصريح في التوجيه الخلقيّ مثل "وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا" الإسراء 37

      والثاني التوجيه غير المباشر، بدلالة الموقف أو المشهد بشكلٍ عام، كما في موقف موسى عليه السلام من فرعون "وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ تِسۡعَ ءَايَٰتِۢ بَيِّنَٰتٖۖ فَسۡ‍َٔلۡ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِذۡ جَآءَهُمۡ فَقَالَ لَهُۥ فِرۡعَوۡنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰمُوسَىٰ مَسۡحُورٗا ﴿١٠١﴾ قَالَ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَآ أَنزَلَ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰفِرۡعَوۡنُ مَثۡبُورٗا ﴿١٠٢﴾" الإسراء، من حيث أسلوب الرد على المُخالف، وهو منتشر في القرآن في مواطن عديدة.

      فحكمة القرآن وتوجيهه للبشر، في التعامل الخلقي الرفيع، هو الأحرى بالنظر والاستقصاء والتبني التربوي، إن أردنا أن نرفع عنا ذل المهانة والخزي وسوء الأدب الذي أصبح آفة الآفات في شعوبنا عامة، فالذين يحبون إشاعة الفاحشة يعلمون تماما أن مردودها السقوط الخلقيّ ثم الانهيار الاجتماعيّ.

      السنن الكونية والكنوز الأخلاقية في سورة الإسراء 

      وسننظر أولا في سورة تحمل كنوزا من التوجيهات الإخلاقية، تترى، ويلحق بعضها بعضاً، في تتالٍ يأخذ بالأنفاس ويُعجز اللسان، بضرب من أعلى ضروب البيان، وهي سورة الإسراء. ونلاحظ أن آياتها جاءت من الضرب الأول نصاً في معناها.

      قال جلّ وعلا في سورة الإسراء:

      "مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا ﴿١٥﴾ وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَٰهَا تَدۡمِيرٗا ﴿١٦﴾ وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِنۢ بَعۡدِ نُوحٖۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ﴿١٧﴾ لَّا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَقۡعُدَ مَذۡمُومٗا مَّخۡذُولٗا ﴿٢٢﴾۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا ﴿٢٣﴾ وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا ﴿٢٤﴾ رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمۡۚ إِن تَكُونُواْ صَٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلۡأَوَّٰبِينَ غَفُورٗا ﴿٢٥﴾ وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا ﴿٢٦﴾ إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورٗا ﴿٢٧﴾ وَإِمَّا تُعۡرِضَنَّ عَنۡهُمُ ٱبۡتِغَآءَ رَحۡمَةٖ مِّن رَّبِّكَ تَرۡجُوهَا فَقُل لَّهُمۡ قَوۡلٗا مَّيۡسُورٗا ﴿٢٨﴾ وَلَا تَجۡعَلۡ يَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومٗا مَّحۡسُورًا ﴿٢٩﴾ إِنَّ رَبَّكَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ﴿٣٠﴾ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ خَشۡيَةَ إِمۡلَٰقٖۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُهُمۡ وَإِيَّاكُمۡۚ إِنَّ قَتۡلَهُمۡ كَانَ خِطۡ‍ٔٗا كَبِيرٗا ﴿٣١﴾ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا ﴿٣٢﴾ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَمَن قُتِلَ مَظۡلُومٗا فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلۡطَٰنٗا فَلَا يُسۡرِف فِّي ٱلۡقَتۡلِۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورٗا ﴿٣٣﴾ وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡ‍ُٔولٗا ﴿٣٤﴾ وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ إِذَا كِلۡتُمۡ وَزِنُواْ بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِيمِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلٗا ﴿٣٥﴾ وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡ‍ُٔولٗا ﴿٣٦﴾ وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا ﴿٣٧﴾ كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكۡرُوهٗا ﴿٣٨﴾ ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوۡحَىٰٓ إِلَيۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِۗ وَلَا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتُلۡقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومٗا مَّدۡحُورًا ﴿٣٩﴾"الإسراء

      وقد بدأ سبحانه وتعالى بتقرير قواعد كلية وثوابت شرعية وسننا كونية، يبيّن بها صلة المرء بعمله، وعمل غيره وبنعمته سبحانه على البشر بتوجيههم بالكتب والرسل مبشرين ومنذرين، قبل أن يوجههم إلى ما هو من حسن الأفعال وكريم الأخلاق.

      مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ

      بداية مزلزلة فيها هداية وتحذير، وفيها أساس من أهم الأسس العقدية والخُلُقية في المنظومة الإسلامية. ذلك أن هدايتك أو ضلالك إما ثمارها لك وحدك حصراً[3]، لا ينتفع بها أب أو ابن أو قريب، إلا من اتخذ من هدايتك مثالاً يحتذيه، ليس إلا. أما الهداية بذاتها، فهي لا تورث ولا تنقل ملكيتها. وهي تتناسق مع قوله تعالى قبلها بأيات "إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ". وفيها دلالة عظيمة على أن العبد يختار لنفسه أما أن يضل أو أن يشقى، وهو مقتضي المشيئة الشرعية، ومبرر إنزال الرسل والكتب. وقد قال تعالى "وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَى" النجم 39، وهو في نفس المعنى.

      وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ 

      وهذه، مرة أخرى، من كبريات العقيدة، التي يوردها جلّ وعلا، ليرسُخ في نفس المسلم أنّ عمله الذي سيأتي بعدُ في الآيات اللاحقة، إنما هو له لا لغيره، وأنه لن يحمل تبعات أحد، ولن يحمل أحدٌ تبعاته.

      فِعْلُك الباطل ومعصيتك ووزرك، لن يرفع تبعاته عنك، أبا كان أو أهلا أو عشيرة. لذلك ضل هؤلاء الذين قالوا " "وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلۡنَحۡمِلۡ خَطَٰيَٰكُمۡ وَمَا هُم بِحَٰمِلِينَ مِنۡ خَطَٰيَٰهُم مِّن شَيۡءٍۖ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ" البقرة 58، كذبوا عليهم فأضلوهم.

      وسنة "ولا تزر وازرة وزر أخرى"، تدحض عبث النصارى القائلين بتضحية المسيح عيسى لأجل نجاة البشرية و لمحو ما يسمونها "الخطيئة الأولى". فلا خطيئة آدم عليه السلام، تضر الصالح ولا الطالح من أبنائه، ولا المسيح عليه السلام بقادر أن يمحو خطيئة بشر من البشر.

      كلّ الناس سيحملون أوزارهم يوم القيامة، ومن أوزار من تسببوا في إضلالهم، إذ ضلال أولئك هو من ضلالهم في المقام الأول، ومآلات الأفعال معتبرة كجزء منها، يعتبرها المجتهد في تقرير مشروعية الفعل أو عدم مشروعيته[4]. وقد قرر الله سبحانه ذلك في قوله جلّ وعلا "إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمۡۚ وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ فِيٓ إِمَامٖ مُّبِينٖ ﴿١٢﴾ يس. وَءَاثَٰرَهُمۡۚ، هي ما ترتب على سوء فعلهم من ضلال وإضلال.   

      وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا ﴿١٥﴾ 

      نعم، رحمة الله سبحانه بعباده، ألا يعذبهم حتى تصلهم الرسالة التي يكفر منكرها، رغم أن الله منّ على بني آدم بالعقل القادر على النظر المستقل، والفطرة السليمة التي يولد عليها كل مولود، حتى يحرفه أبواه عن الحق. وقد صدق الله وعده، فأرسل الرسل للناس كافة مبشرين ومنذرين "وَإِن مِّنۡ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٞ" فاطر 24، "وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ " النحل 36. وكلها صيغ عموم مؤكدة حصرية، لا تحتمل تخصيصاً، فالآية أعلاه هي آية إخبارية، وليست إنشائية، والفرق كبير.

      وهذه الكلية الشرعية، قد دار حولها نقاش واسع متشعبٌ في العقيدة والأصول والفقه[5]، لا أظن محله في حديثنا هذا، لكن الغرض أن يرى المسلم سعة عفو الله ورحمته وإرادته الخير بالناس، فهو سبحانه لم يخلقنا عبثا "لَوۡ أَرَدۡنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهۡوٗا لَّٱتَّخَذۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَٰعِلِينَ ﴿١٧﴾ "الآنبياء، ولم يتركنا سدى "أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَن يُتۡرَكَ سُدًى" القيامة 36. فعلة الخلق منصوسص عليها "وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ" الذاريات 56. والخالق جلّ وعلا، تتحتم له كلّ صفات الكمال، ولو كان فيه نقصٌ – حاشاه، ما كان هو الرب الحق والإله المستحق. ومن كمال صفاته سبحانه الحكمة والرحمة والعدل. فالحكمة تؤدى إلى سبب إيجاد الخلق، والرحمة تؤدي إلى العناية بهم ورعايتهم، ولا يتم هذا إلا بمفهوم النبوة، ومن ثم إرسال الرسل وإنزال الكتب، ليهدي إلى المحجة ويقيم الحجة، فلا يدخل النار إلا من حق عليه القول بظلمه لنفسه ورده للشرائع.

      وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَٰهَا تَدۡمِيرٗا ﴿١٦﴾ 

      سبحان الله العظيم. هذه سنة الله في الأولين والآخرين. أن يقترن الترف بالفسق، ومن ثمّ بالدمار، فالفسق لا يأتي إلا به، انظر حولك، وطف في طيات التاريخ، تجد الترف سببٌ مباشرٌ في سقوط الأمم والحضارات. حدث ذلك لأمة اليونان، ومن بعدها أمة الرومان والفرس على يد المسلمين، ثم على أمة المسلمين حين تخلوا عن تراثهم الإلهيّ لصالح علمانية قميئة وملذات رذيلة، فأتاها الدمار من كلّ جانب.

      والمترفين، عادة هم الحكام وبطانتهم، وقد جاءت رواية بتشديد الميم في "أمّرنا" أي جعلناهم أمراء وحكاماً، والواقع خير شاهد وأدلّ دليل، على اضطراد هذه السّنة المحكمة، بلا مجاملة ولا محاباة.

      وكلمة "أَرَدۡنَآ" تشير إلى مشيئة الله الكونية التي لا يخرج عن علمها شئ، ولا يجرى من دونها أمر فليس فيها لإجبار نصيب، بل هو العلم والهيمنة. كذلك في قوله تعالى "أَمَرۡنَا"، فالأمر هنا، يعني الإذن بأن تأخذ السنن مجراها دون تدخل إلهي. وقد ذكر عدد من المفسرين أن الأمر هنا هو الأمر الشرعيّ بوجوب الطاعة، فلما فسقوا جرت عليهم السنة فدمرهم الله تدميرا. ولا طارى خلافا في النتيجة، وإن كان الخلاف هنا هو من قبيل أن الأمر هنا كونيّ أو شرعي. والأليق فيما أرى أنه كونيّ بمعنى الإذن[6].

      وقوله سبحانه "فَحَقَّ عَلَيۡهَا ٱلۡقَوۡلُ"، لا يعني ظلماً وتعنتا، لكن يعني جريان السُّنة التي سبقت في كتاب الله ومشيئته الكونية. وانظر في قوله سبحانه "تَدۡمِيرٗا" ، فقد أتى بالمصدر ليعكس الدمار الشامل الهائل، الذي لا تقوم لأمة قيامة بعده، ودونك عاد وثمود وأهل مدين والمؤتفكة وقوم لوط وأصحاب الأيكة، قليل من كثير.، فيا له من نذير، ويا لها من آية هادية وحكمة جامعة.

      وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِنۢ بَعۡدِ نُوحٖۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ﴿١٧﴾

      ثم يختتم الله سبحانه تلك الباقة النادرة من الحكم السَنِيّة والسنن الكونية، بلفت النظر إلى ما كان من جريانها، دون توقف، على مرّ الزمان واتساع المكان. فكم هي تلك الأمم والحضارات التي عاشت على مدى قرون متتالية بعد نوح عليه السلام، وحتى زمن التنزيل القرآني، دالة على ما جاء من نذر قبلها في الآيات السابقات المحكمات. والقرون هنا قد تكون دالة على الأمم ذاتها، كما في الحديث الصحيح "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" البخاري وفي رواية خير الناس. فالقرن هو الحقبة الزمنية، أو من عاش فيها، سيّان.

      ثم ختمها بتقرير حكيم عالم خبير بصير، أن الله سبحانه قد خبر تلك الذنوب وبصُر بها، وعرفها ودوّنها في لوحه المحفوظ. وهذا يكفي "وَكَفَىٰ" ليكون رادعا لبني آدم، أن كلّ ذنب يقترفونه محسوب ومرصود عليهم، فلا مجال لنفي أو إعذار، والله المستعان.

      التوجيهات الأخلاقية

      لَّا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَقۡعُدَ مَذۡمُومٗا مَّخۡذُولٗا ﴿٢٢﴾

      بدأ الله سبحانه سلسة الهداية الخُلقية، بأعلى مراتبها وأسمى معاني تعلقها، التوحيد وعدم الشرك بالله، وهل هناك رتبة أعلى من ذلك تجعل الإنسان يعلو فوق كلّ الكائنات، حتى الملائكة؟!

      من جَعل مع الله إلهاً آخر، يعنى أنه قد اجتمعت فيه كافة المفاسد الخلقية، جهلاً واستكباراً، وجحوداً واستعلاءً، فلم يذكر الله تلك المساوئ في المشرك ذاته، بل ذكر بعض نتائجها عليه "مَذۡمُومٗا مَّخۡذُولٗا" مذموماً في الدنيا لما به من أسوأ الصفات، أعلاها الكفر، ثم يتبعها كما يتبعه من انحطاط في كل ناحية من نواحي الإنسانية. وإن ظهر للعيان بعض فضل فيه، فهو من بقايا الفطرة، التي وهبه الله له، فخانها، فصارت لا أثر لها.

      ومخذولاً، في الآخرة، إذ من ينصر من خذل الله؟ يوم لا ناصر إلا هو، ولا منجاة إلا به واليه؟ يوم يتضرع لله أن يعيده كرة أخرى فيخذله في طلبه. يوم يتضرع لمالك أن يسأل ربه أن يقضي عليه، فيخذله. يوم يعض على يديه ويود لو كان تراباً، فينخذل، ويذوق العذاب، فأي خذلان أكثر من هذا الخذلان؟

      يتبع إن شاء الله تعالى الجزء (2)

      د طارق عبد الحليم

      [1]  "مقدمة ابن خلدون" بتقديم د على عبد الواحد وافي، ج1 ص 393، طبعة نهضة مصر.

      [2] Without knowing it, they behave alike”, my PhD thesis 1989,

      [3]  وإنما" تفيد الحصر عند جمهور العلماء منطوقاً.

      [4] الموافقات ج4 ص

      [5] فهو يتعلق بموضوع الجهل في عوارض الأهلية أصوليا، وضوابط التكفير عقدياً، وأحكام المرتد  فقهياً

      [6] انظر الطبري والقرطبي في تفسير آية الإسراء