فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      الحقيقة العارية وخطوات منهجية في ظلها

      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

      قدمنا هذا البحث من قبل مجزءاً في أريعة مقالات. ثم وجدنا أن الأفضل هو جمعه في بحث واحد لتمام التصور وكمال الفائدة، وحذفنا وأضفنا بعض ما رأيناه لازماً.

      وبالله التوفيق

      د طارق عبد الحليم

      "... 

      وأمتنا المنهكة محصورة داخل تلك المنظومة الهلامية، تشاركها الكثير من آلامها ومحنها، لكنها تختلف عنها في تحديد سبب المشكلات الحقيقي وطرق حلها وتحديد العدو من الصديق وحفظ حقوق المودة وأواصر الولاء حية فاعلة. بل إن الأكثرية من تلك الأمة الهلامية لا يكادُ يُعرف له دين ولا هوية ولا توجه. فلا يجب الخلط بين "الأمة" وبين عناصر تلك الكتلة الهلامية، التي تضرُ ولا تنفع، وتخذل ولا تدفع." 

      النص الكامل

      إقامة الدولة وبناء الأمة

      الحقيقة العارية 

      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد

      القسم الأول – قيام الدولة

      1)    المسرح العالميّ

      أمرٌ أظن أنه قد فات غالب العلماء والمفكرين والشيوخ والسياسيين والدعاة الإسلاميين، المخلصين لشهادة التوحيد، في سعيهم الحثيث للبحث في مقومات الدولة الإسلامية، وعناصر بنائها، ومواصفات أمرائها وعمالها، وكتابة دساتيرها وعلاقاتها مع جيرانها في حالتيّ السلم والحرب، ونظام اقتصادها ..الخ، وهو مدى واقعية إمكان إقامة دولة جديدة في "عصرنا هذا"، تتخذ مكاناً بين الدول، ويعترف بها مجتمعهم، ويسمح باستمرارها ناديهم!

      السنن الكونية لا تتبدل ولا تتغير، لكنها تزداد وضوحا وتحديداً مع تعقيدات الحياة وتشابك المصالح، اقتصاديا وسياسيا واجتماعياً.

      عالم اليوم ليس بعالم الأمس، بأي مقياس كان. عالم ما قبل الحرب العالمية الأولى ليس هو عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وليس هذا الأخير بعالم اليوم. ونحن لا نتحدث عن رقعتنا الإسلامية فقط، بل على المسرح العالمي كله.  وها هي المؤشرات الكبرى لذاك التحول:

      1. الحرب الأهلية الأمريكية في القرن التاسع عشر، بعد حرب الاستقلال الأمريكية عن بريطانيا، التي عُرفت بحرب الشاي، في القرن السابع عشر.
      2. بدء اضمحلال الإمبراطوريتين البريطانية والعثمانية، والذي تم بعد الحرب العالمية الأولى بالقضاء على الخلافة العثمانية، ثم تحول القوة العالمية إلى أمريكا بعد تفكك الإمبراطورية البريطانية، عقب الحرب العالمية الثانية، واكتفائها بالكومنولث.
      3. ظهور قوة "النفط" الذي زاد من أهمية الرقعة الإسلامية، كموضع للتنافس بين القوى العالمية في التشكيل الجديد قبيل الحرب العالمية الأولى.
      4. إعادة تشكيل المنطقة العربية، بالسماح بإنشاء دول جديدة تابعة للقوى العطمى آنذاك، كمملكة آل سعود، ودويلات الإمارات والخليج، والتمهيد لإقامة دولة مستقلة في الرقعة الإسلامية، وهي الكيان الصهيوني (إسرائيل).
      5. لم تتأسس دولة جديدة بعد ذلك إلا ما جاء نتيجة انشقاقات وانقسامات كما في دول الإتحاد السوفيتي وشرق أوروبا، أو في أفريقيا مثل جابو.
      6. ظهور الأحلاف والتكتلات الدولية، خارج مظلة الأمم المتحدة الي تشكلت للتحكم في مصائر الدول الصغرى الأعضاء، مثل حلف الناتو وحلف وارسو، الذي انهار عقب انهيار الاتحاد السوفييتي.
      7. التغيرات الواقعة في ميزان القوى الدولية، والتي انتهت حاليا بوجود أربعة أطراف تمثل القوة العظمى عسكريا واقتصاديا وسياسيا، أمريكا، روسيا، الصين والإتحاد الأوروبي.
      8. الانقلاب التكنولوجي الرهيب في عالم الانترنت، وأثره على تطور السلاح "التقليديّ" ،لا النووي المخزون في الصوامع"، مثل الطائرات بغير طيار والقنابل العملاقة وغيرها.
      9. التطور الهائل في وسائل الاستخبارات والتجسس، لدرجة انتهاء عهد "الخصوصية" في أنحاء العالم.

      10.  توظيف كافة الأنظمة الحاكمة بجيوشها ومؤسساتها، في رقعتنا المسلمة بالذات، لصالح الكيان الصهيوني والمصالح الأمريكية البحتة، إن كان ثمة فرق بينهما.

      وقد دلّت هذه المؤشرات على تغير انقلابيّ هائلٍ في وسائل التعامل بين الدول، أو بالأصح القوى، على المسرح العالميّ، وتبدلها لغير رجعة، كما كرّست بزوغ منظومة جديدة، تتكون من شبكات من العلاقات المصلحية، وتتمثل في تلك القوى الأربع العظمي التي سادت المسرح العالمي بكامله، وعقرت مؤخرا منظومة ما يُسمى بالأمم المتحدة، لعدم الحاجة اليها.

      وكان من نتيجة ظهور هذه المنظومة، أن أصبحت كلّ رقعة من الأرض واقعة تحت سيطرة كاملة تامة، بطريق مباشر أو غير مباشر، سواء عسكريّة أو اقتصاديّة أو سياسيّة، أو كلها معا، كما في حالة رقعتنا الإسلامية، التي تخضع للقوى الأمريكية خضوعاً، بل خشوعا تاماَ!

      وأخيراً، نود في هذا الجزء من المقال أن نشير إلى إنه، مع التخاصم والعداء والمنافسة الشديدة بين تلك المنظومات الجديدة، في الشمال والجنوب الغربي الأسيوي أو أمريكا أو أوروبا، في مجال التسلح والاقتصاد والتكنولوجيا، ومن ثم بسط سيطرتها على رقعة أكبر من العالم المُستعبَد، فإنها مُجمعة على أمر واحد، وهو العداء للمسلمين، عداءً أصيلاً متجذراً في تاريخها وفي وعيها الجمعيّ، فهى كالحيوان الصائل، قد يتعاون مع غيره لإسقاط الفريسة، فإذا أخذها من عنقها، بدأ التنازع والتحارش مع بقية الصائلين علي لحمها ودمها.

      2)    الرقعة الإسلامية

      ساد الإسلام غالب العالم المتحضر مدة أكثر من تسعة قرون، منها أربعة قرون في أول ظهوره حتى سقوط الدولة العباسة، ثم حوالي ستة قرون منذ ظهور القوة العثمانية حتى سقوط الخلافة. وبين ذلك، كان العالم كله في نزاع مع القوة الإسلامية، بين غالب ومغلوب.

      حقيقة مذهلة قد لا يدركها البعض، تظهر مما قلنا آنفاً، وهي أن التاريخ الإنساني كله، والذي يمتد في الوعي الإنسانيّ لحوالي ثلاثين قرناً، قد تحكم فيه المسلمون تحكما كاملا، وساده سيادة تامة، ما يقارب ثلثه! وهذا وحده يَكفي أن يستقر العداء للإسلام في قلوب كافة شعوب الأرض ودياناتها، الكتابية وغيرها، رغم التسامح والقبول والأمن الذي وفرته تلك الحضارة الرائعة لكل من وقع تحت سيطرتها، بلا اعتبار لدين أو جنس.

      ولم تنس الشعوب المهزومة لحضارة المسلمين ذلك التغلب المُهين، على مدى تلك العقود الطويلة، قرابة ثلث عمر البشرية المعروف! فتربصت بها، وتوددت لها، وتقربت منها ومن حكامها، حتى أتى زمن الصيد، بالغزو النابليونيّ، وعصر الانحراف الفكري بتولى محمد على سلطنة مصر، وتغلب العثمانيين والانجليز على الدولة السعودية الأولى، ثم على حركة إخوان من أطاع الله، ومن ثم بزوغ الدولة السعودية، في ظل السيادة البريطانية.

      ولعل سماح الخلافة العثمانية بتحالف محمد علي، أميرها على مصر، مع الإنجليز للقضاء على الحركة الإسلامية الجديدة، المتحررة من الأثر الغربيّ البغيض، والذي أتمّه الخائن عبد العزيز آل سعود في أوائل القرن العشرين، كان من أكبر أخطائها وذنوبها، رغم العداء السنيّ/الصوفي بينهما. لكننا لسنا بصدد تقييم وتحليل ما حدث في تلك الحقبة.

      باتت الرقعة الإسلامية مرتعاً للعالم الغربيّ، تتحكم في مفاصله ومقاطعه، وكلّ شئ فيه حتى جاء أوان إعادة ترتيب المنطقة، حسب الصالح الصهيوني بإطلاق، ولإخماد الصوت السنيّ بالكامل في كافة أنحائه، عقديا وسياسياً. فكانت حرب الخليج الأولى ثم الثانية وتدمير العراق وسوريا وليبيا واليمن.

      وفي المقابل، لننظر ما فعل المسلمون السنة، في مواجهة الوضع العالميّ الجديد، وما ترتب عليه في رقعتنا الإسلامية.

      1. الجهود المبعثرة: تلقى المسلمون واقعة سقوط الخلافة برد فعل بارد، يتناسب مع ما هيأته القوى العظمى لمثل هذا الواقعة من قبل في نفوس المسلمين، وإن صاحبه شبه ذهول عن حقيقة ما يجرى، وأحلام بإعادتها فورياً لأيّ من ملوك العرب! وكان الاتجاه الرئيس في وسط هذه العاصفة الهائجة هو العمل على إعادة الخلافة بشكلٍ ما، في رقعة ما، خاصة بعد أن حوّل كمال أتاتورك، ملحد الأتراك، مركز الخلافة إلى وكرٍ للإلحاد ومعاداة الإسلام. وتمثل ذلك في شكل جماعة الإخوان بالذات، التي وصلت السياسي بالشرعيّ، وإن تخبطت في توصيف الواقع كلية. ثم تابعت بعد ذلك جماعات عدة تولت أجزاء من الواجب الإسلامي العام، كالدعوة للسنة، أو للأخلاق العامة، أو لتحفيظ القرآن، وابتعدت عن السياسة، برضاها، أو بغير رضاها، عقب تسليم الدول المُستَعمَرة إلى وكلاء الاستعمار من أبناء البلاد. وكان هذا الجهد مبعثراً لا اتجاه له، بُنيَ على فرضيتين، أولهما أن هناك دولاً إسلامية لا تزال قائمة، وثانيهما، أن الأمة الإسلامية لا تزال متماسكة متجانسة تعرف أصل دينها، رغم انتشار البدع والمعاصي بين أبنائها.
      2. الجهود الجماعية: تركزت الجهود بعد ذلك إلى جهود جماعية، اتخذت ثلاثة طرق مختلفة حسب توصيفها للواقع:
      3. طريق الإصلاح والتكملة، كما فعل الإخوان، فحاولوا إصلاح ما فسد، وتكملة ما نقص في المجتمع عامة، بناء على أسلمة الأنظمة، وإمكانية التعامل معها.
      4. طريق الإصلاحات الجزيئة المتعلقة بالحض على أركان الإسلام خاصة، وعمل الخير وبرّ اليتيم، وإعانة المريض، ومثل هذا من فضائل الإخلاق.
      5. طريق الدعوة الجهادية التي اتخذت تصوراتها من تقييم الواقع حسب ما رأوه من مظاهر علمانية كفرية في نظم الحكم الوضعي، فانقسموا إلى قسمين، أحدهما اتخذ منهجا سنياً في الفهم الجهاديّ، بغض النظر عن التطبيق، والآخر اتخذ طريق الخوارج، فأشاع الفوضي وهدد الوجود السني ذاته، كما نرى في سوريا مع جماعة البغداديّ.

      3)    التصور القاصر وأثره على عملية البعث

      كان من أثر الدعوات القاصرة، أو المنحرفة أن شتّت جهودا وأربكت عقولا، واختزلت الإسلام في بعض شعائر، وفصلته عن الشرائع.

      لم يكن هناك أيّ تصور صحيح لوضع "المسلمين" بالنسبة للوضع العالمي، سواء قدراتهم وإمكانياتهم أو تصوراتهم واتجاهاتهم، فتعامل الناس مع الأنظمة على أنها "دول" إسلامية، وتخلص المنافقون مخربو العقيدة من أزمة مفهوم الحكم بغير ما أنزل الله، برمي أهل السنة بالخروج والتكفير والإرهاب من ناحية، والتبرء من أي لون من ألوان الجهاد ضد الحاكم، بل موالاته والوقوف في صفه، والدعوة لنصرته، بل والقتال بجانبه كما رأينا في ليبيا.

      هذا الموقف الذي ساد كافة الرقعة الإسلامية، لم يدع ما يُسمى بالحركة الإسلامية، في صورتها القاصرة، جدوى على الإطلاق إلا التضليل والتشتيت، وذر الرماد في العيون، كسحرة فرعون.

      أما الاتجاه الجهاديّ السلفي الجماعي الذي تمثل في جماعات ذات قوة وسطوة في بعض البلاد الآسيوية، فقد اتجهت إلى تجنيد الشباب لصد هجمات العدو الصائل، والرد ببعض العمليات التي هي في تحليلها النهائي عونا للعدو أكثر منه إثخانا فيه! مع العلم بأن غالب قوات العدو، بل كلها، قد جاءت بتوكيل من حكام الرقعة الإسلامية ومباركتهم!

      الخلاصة الآن، أن تصور إقامة دولة ليس له إلا طريقان، الإحلال والانشقاق. الأول: أن تحل حكومة إسلامية محل حكومة علمانية في دولة ما، سواء في مصر أو تونس أو بلجيكا أو فرنسا أو الجزائر، فكلها حكومات معادية للإسلام، تحكم بغير ما أنزل الله، يعرف أهلها أقل القليل عن حقيقة الإسلام، وما يدخلهم فيه وما يخرجهم منه، رغم تفاوت النسبة في الشريحة السكانية التي تعرف عن شعائرالإسلام، ويمارس بعضها بعض تلك الشعائر. والثاني: أن تنجح عصبة من الثائرين في اقتطاع جزء من دولة قائمة وإعلانها أرضا إسلامية! وكلا الطريقين، يعني أن تتجاوز أوضاع ذلك البلد الوضع العالمي، وتكون خارجة عن سيطرة أي من القوى العظمي التي وصفنا من قبل، وهو ما نضعه في خانة غير المقدور عليه وبند ما هو خارج عن المستطاع، ولنا في كتالونيا في أسبانيا مثلا قريباً معبراً. ولولا رضا ومساعدة الغرب للشرق الأوروبي ما استطاعت دولة منه الفكاك من الاتحاد السوفييتي!

      ونزيد هنا، أن إمكانية حدوث ذلك في بلد من بلدان الرقعة الإسلامية، قد تكون أصعب كثيرا منه في أي بلد آخر، أسيويّ أو أوروبيّ، نتيجة الشراسة والحقد والتحامل الذي لا يحدّه حدّ على الإسلام وأهله ودعاته، وبين أيديكم جزيرة العرب ومصر والإمارات وتونس مثالا حياً ناضجاً لهذه الحقيقة.

      ونعتذر لبعض إخواننا ممن يخالفنا فيما ذهبنا اليه، دون تقديم مبررات، ويروا أن الأمة بخير ويضربون مواعيدا ثابتة يجزمون فيها بفناء الكيان الصهيوني ودخول المجاهدين القدس! وهو أمرٌ نسأل الله سبحانه بقدرته وعزته أن يحققه فقد طال أمد الاستضعاف وزمن العبودية. لكن التحليلات السياسية لا يمكن أن تغض البصر عن معطيات الواقع ومؤشراته ودلالاته، فقد بنى الله الدنيا على سلسلة مترابطة من الأسباب والنتائج، لا ينفكّان إلا إن شاء سبحانه في حالة المعجزات. والطريق الذي يتبعه هؤلاء "المتفائلون" في استشراف الأحاديث النبوية، يماثل ما يفعل الحرورية في إنزال أحاديث آخر الزمان على أوضاعنا القائمة، فيظلمون الشريعة ويتفتئتون على الشارع.

      القسم الثاني – بناء الأمة

      4)    تعريف الأمة:

      "الأمة" في المصطلح الغربي، هي مجموعة من البشر، يشتركون في رقعة من الأرض، وفي اللغة والعادات والتقاليد والبناء الاقتصادي وطرق الحياة، والأمل في المستقبل.

      ويُلاحظ أن هذا التعريف ليس بجامعٍ ولا مانع. كما إنه يخلط بين الأمة والحضارة والثقافة، مع العلم بأن المشتركات بينها كثيرة متعددة. وعلى كلّ حالٍ فإن الأمة، كما فهمنا من الكتاب والسنة، هي تلك المجموعة من البشر، التي تجتمع على دين واحد (سواء كتابي أو غيره، كما في أمة المجوس)، وتعتمد لغة واحدة، وتتبع، نتيجة لاتحادها في الدين، أو تصورها للكون والوجود، مجموعة من التقاليد والعادات والتصورات لا تتبدل بتغير الزمان والمكان. وقد تتغير تلك العادات والأعراف تبعا لحكم الزمان والمكان، في نطاق محدد مرتبط بخط الوحي الإلهيّ الأصلي. ومن ثم، فإن معنى الأمة في قوله تعالى "وأن هذه أمتكم أمة واحدة" تتجاوز حدود الزمن لتضم كلّ من اتبع الحنيفية السمحاء على امتداد التاريخ.

      كما نلاحظ إنها لا تتفق مع التعريف الغربي في اشتراط الرقعة الأرضية، فالأرض كلها لله، ولا معنى لتقييد الأمة بحدود قطعة منها. ومن ثم، فإن مفهوم الدولة ليس مرتبطا بمفهوم الأمة، بل قد تكون الدولة جزء من الأمة، وقد تنحصر الأمة في دولة من الدول، في وقت من الأوقات. وقد ينتمى شعب من الشعوب بأكمله إلى أمة معينة، وقد تكون أمة المسلمين مُركباً من مركباته، ولا دخل لهذا بعدد المنتمين للأمة، كما في حديث البخارى وغيره واللفظ هنا لابن ماجة عن أبي سعيد الخدري "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَجِيءُ النَّبِيُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَعَهُ الرجل , يَجِيءُ النَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلَانِ , وَيَجِيءُ النَّبِيُّ وَمَعَهُ الثَّلَاثَةُ , وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَأَقَلُّ".

      5)    أين هي أمة المسلمين اليوم؟  الأمة المبعثرة!

      عرفنا أن الأمة لا يجب أن تكون موحدة على رقعة أرض، وإنه قد لا تكون لها دولة قائمة بالفعل، وأنها لا يحدها عدد، صغيرا أو كبيراً. فلننظر اليوم لنتعرف على أمتنا. أين هي؟ من هي؟

      وفّر أصحاب الاتجاه الإصلاحي أمر البحث في هذه المسألة برمتها، وافترضوا أن الدول الإسلامية قائمة، ثم انقسموا، بعضهم قال بأن الحكام مسلمون كذلك، وهؤلاء انقسموا إلى من قالوا يجب طاعتهم ومن قالوا يمكن الخروج عليهم.

      الاتجاه الجهاديّ قال، إجماعا، إن الحكام كفار ولكن الأمة باقية كاملة في الرقعة الإسلامية، وسيخرج منها المجاهدون زرافات ووحدانا، لترفع عن نفسها هذا الحكم الكافر. ومنهم من حدد وقتا بذاته، ومنهم من وجّه لتربية الأمة القائمة، استعداداَ للتحرك.

      لكن الأمر، أحسبه، ليس بهذا الشكل، بل إن هذه الأطروحات تزيد الأمر تعقيدا، وتجعل الحل جزءاً من المشكلة! فاستعجال نتائج لم يحن وقتها بالفعل، إلا في عقول بعض المشايخ أو المحللين، هو عائق حقيقي في سبيل سلوك طريق الحق المستقيم.

      يجب قبل أن يضع الباحث تصوراً أو أطروحة، أن يضع مقومات صحتها أو نجاحها أو حتى معقوليتها، ليكون لها نبض حقيقي على أرض الواقع. فأين المقومات التي يراها كلّ من ذكرنا، سواء من الاتجاه الإصلاحي أوالجهادي، في الكتلة المجتمعة في الرقعة الإسلامية، تجعلها مهيأة، أو قابلة لأن تتهيئ للقيام بدورها في لمّ شمل الأمة، وفي إقامة الدولة؟

      من هم أبناء "الأمة اليوم" الذين سيعينون على نشر التوحيد، وبيان حقيقة الطواغيت، وحفظ البيضة لتسليم الراية إلى من بعدهم؟ أمنهم تلك المرأة التي كانت تسجد للسيسي؟ أمنهم السديس؟ أمنهم برهامي وبقره؟ أمنهم العفاسي وتامر يوسف؟ أمنهم جاليات كاملة ترى السيسي منقذ مصر كما أرى بعيني رأسي في كندا، حيث 90% من المصريين المسلمين يرونه بطلهم؟ أمنهم أولئك المشايخ من كلاب بنب سلول أو السيسي كسعد الهلالي والطيب وعلى جمعة وأشباههم بالآلاف، ومحبيهم ومتابعيهم وداعميهم؟ أمنهم السعوديون والسعوديات الذين رقصوا أمام مقر السينما، في بلاد الحرمين، أم الشيخ الذي قال "الحمد لله الذي بلغنا السينما في السعودية؟" أمنهم جيوش وشرطة تلك البلاد التي تقتل المسلمين اليوم وترفع عرش الطواغيت على رؤوسها بل وتموت دونه؟ أمنهم كتاب الليبرالية والديموقراطية وغالب نواب برلماناتها؟ والقائمة لا نهاية لها.

      أيّ من هؤلاء سيعين أيّ امرئ يدعو إلى، أو يستحسن أو يشجع عملٍ إسلاميّ ولو تعليم التوحيد، الذي يجهلونه تمام الجهل، بل ويعادونه بهذا الجهل، أو بغيره؟ أيّ من هؤلاء سيقف مع الطائفة الأخرى المنحازة للإسلام والمعادية للشرك، في محاولة بناء "الأمة"، التي يُفترض ظلما أنهم منها، ليقفوا بالقوة في وجه الطاغوت القريب والبعيد، المتربص بهم، يحسب عليهم أنفاسهم؟

      دعونا نتحدث مرة واحدة دون تعميم وضبابية وخوف ورهبة من ردود الأفعال، ولنتق الله في تلك الأمة التي نخونها كل يوم بخلطها بمخلفات البشر التي عاشت على هذه الرقعة يوماً، فنفسد أكثر مما نصلح.

      نحن نتحدث هنا عن "بذرة الأمة" التي تعي ما حولها مما وصفنا، وتريد الخلاص منه، منهم من يسعى ومنهم من ينتظر، منهم العالم ومنهم العاميّ الذي على دين العجائز، وكلهم يعي حقيقة واحدة، أن هذا الذي تعيشه الرقعة الإسلامية اليوم تدمير للإسلام والمسلمين بما لم يسبق له مثيل، وإن عجز عن حلٍ أو طريقة لدفعه. لكن ليس منهم من وقف مع طاغوت يوماً، لا بكلمة ولا إشارة ولا تهنئة ولا تردد، ولا تشجيع لمشروع ولا تأييد لموقف، ولا رضا بما هو كائن، بأي شكلٍ من الأشكال أو درجة من الدرجات.

      فإن استطعنا أن نرغم أنفسنا على تمييز الحق من الباطل، وتمييز أهل الحق من أهل الباطل، ومعرفة من سيقف معنا في مرحلة البناء ومن سيبلغ عنا السلطات، أومن سيعيننا ومن سيديننا، وتحققنا من أننا نرى الحقيقة الوقعة دون خيالٍ متفائل راجٍ يرى بعين واحدة، فيرى انطباع الحقيقة على عقله بما يريده لها أن تكون، لا بما هي عليه، رأينا على وجه الحق أين هي بذرة الأمة، ومن هم، وما حجمهم الحقيقيّ في وجه ما وصفنا من مسرح عالميّ يشمل حكام رقعتنا الإسلامة، بلا فرق.

      بذرة الأمة الاسلامية التي يجب رعايتها وحفظها والتعرف عليها، تجدها مبعثرة في شكل تجمعات بشرية في كافة دول العالم اليوم، تزيد وتنقص في عددها حسب حجم الدولة وتاريخها، فإن كانت دولة في رقعتنا الإسلامية، كانت بطبيعة الحال أكبر عدداً مما هي عليه في أمريكا أو انجلترا على سبيل المثال. وتلك التجمعات اليوم لا تجمعها أو تمثلها دولة، بل هي لاجئة حتى في موطنها الأصليّ. تقابل منهم من تقابل في وسائل الإتصال أو المواصلات أو العمل أو دائرة الأصدقاء والأقارب، لكنك تجدهم يهمسون بآرائهم في موضوعنا، بناء الأمة وإقامة الدولة، فالغالبية التي من حولهم لا ينتمون لطائفتهم، بل هم من أعدائهم ومع أعدائهم، قلبا وقالباً. فترى جاليات مسلمة تبلغ عددها مليونا أو اثنين في بعض البلاد، وعشرات الآلاف في دول أخرى. لكن تلك هي مادتنا في البناء،، نعمل بها ومعها، ولا نعمل مع مشوهي عقيدة، مخربي فكر، مضطربي عقل، لآي سبب من الأسباب. فإن أولياءهم يعملون كادحين أن يسحبونهم لأسفل مما هم فيه، وأن يقطعوا يد كل من يحاول أن يرفعهم لأعلى، ذلك إن كانوا هم ذاتهم يريدون ذلك!

      6)    كيف نتعامل مع بذرة الأمة؟

      مواجهة الحقيقة كما هي، لا كما تعودنا أن نراها أو نحكي عنها، سنوات طوال، الأمة اليوم ليست هم من يعيشوا على هذه الرقعة الإسلامية. لا، الأمة مختبئة داخل ذلك الكم المختلط من البشر، أقلية مستضعفة، مثلها مثل الأقليات في الغرب، إسلامية أو غير إسلامية سواء.

      وأقول هنا، ما سيرده عليّ البعض دون دليل معقول أو منقول، إنني لا آبه لما عليه بقية ذلك الخليط من دين، منهم نصارى ومنهم "بدون" أي غير معلومي الهوية، ومنهم من قد يكون مسلما باطنا، لكن ليس على الظاهر. لا أريد ببحثى هذا أن أصنّف الناس دينياً، وإنما أريد أن أحدد كيف نتعامل مع "بذرة الأمة" الحقة، التي يجب الانتباه لها والعمل معها والتعويل عليها. أما أن نسقط أحكاما دون أفهام، وأن نكتفي بذكر أن الأصل في الناس الإسلام في رقعتنا الإسلامية، فقد يكون هذا صحيح، بل هو صحيح على مستوٍ معين في تلك الكتلة البشرية، بعد كلّ ما نرى بأعيننا التي في رؤوسنا، وما نسمع بآذاننا التي في وجوهنا. إن صحّ أن تطبيق تلك القاعدة منذ عقود عدة، على مستوى القاعدة الشعبية كلها، فلأن الخبث لم يكن غالباً بل كان أقلية، لا يصلح معها أن تُرفع صحة القاعدة. لكن اليوم، وما أدراك ما اليوم، نعلم ويعلم الجميع، أن العلمانية والليبرالية وتمجيد الثقافة الكفرية والإعراض عن الدين وكراهة الشريعة وموالاة الظلمة وتفضيل حكم البشر ووسائل البشر وتقاليد البشر هو السمة العامة للعامة في رقعتنا هذه، وإن رأينا فيها صلاحاً وتديناً.

      نعم، ما ثبت بيقين، لا يزول إلا بيقين مثله، لكن هذا يكون عند المقارنة بين حالتيّ فرد واحد في وقتين مختلفين، لا يفترقان إلا في الظن الطارئ، أو جماعة واحدة في حالتين لم يفترقا في التكوين النوعي للجماعة، أما إذا تغير التركيب النوعي للجماعة، فثبوت الوصف يتعلق بالغالب الظاهر، لا بما كان من قبل.

      ونحن ندرك تماماً ما سيشيعه الكثير بشأن تلك المسألة، لكن الحقائق أقوى من أن تُحبس رهينة فهم معينٍ محدود لأدلة مرتبة واقعة على مناط مختلف.

      نحن لا نحب التكفير ولسنا من أهله ولا نرضاه ولا نثبته إن لم يثبت يقينا، كما هو مذهب أهل السنة، فإن أبى أحدٌ إلا أن يربط تلك المسألة بتحديد معالم الأمة في حالتها اليوم، ليكون العلاج والحلّ على بينة واقعية، فهو وشأنه!

      "أمتنا" باختصار حبيسة مفتتة مبعثرة متشظية في داخل كتلة كبيرة مترهلة لا شكل لها ولا انتماء، تعودنا أن نسميه "الأمة"، أو كما يسميها البعض اليوم "الحاضنة" ويا لها من حاضنة!

      7)    الحل في واقعنا المعاصر

      مما تقدم كلّه، نجد أن الحديث عن "الحاضنة" هو حديث عن "الخانقة" في نفس الوقت. فإنك إن نظرت، لم تجد لما أسموها الحاضنة أي أثر في إنقاذ وضع متدهور للمجاهدين، بل عكس ذلك تماما في مصر، حيث وقفت غالب الحاضنة تحضن السيسي ونظامه! وانعزال شبه تام في سوريا في آخر الأمر، إلا في مناطق القصف على بيوت الناس مباشرة. وقد يكون سبب ذلك الفشل الذي تدهورت فيه كافة الفصائل، ومثّل مانعا نفسيا من دعمها بقوة، أو عدم الإيمان بالقضية أصلا، أو دعم الطاغوت والوقوف في صفه إما إيجاباً  مزريا أو صمتا مخزيا " وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ  (165)"الأعراف 164. فألحق الصامتين بالظالمين.

      ما يجب علينا اليوم هو أن:

      1. نعيد تصور وتشكيل نواة الأمة، التي نعيش في محيطها، وتصور حجم معارضيها وشانئيها، دون تحيز أو اعتذار أو مجاملة أوتبرير أو ورع بارد،  لنعرف حدود قدرراتنا وحقيقة موقفنا الحاضر.
      2. أن نعمل على برامج صغيرة خاصة تُعنى بحفظ القرآن، والسنة، ومعالم التوحيد، فتحفظ تلك المعالم وتكون هي التي تهديها في تصرفاتها.
      3. أن تنقل هذه العلم بالتوحيد، الذي لا يستلزم توغلا في أي علمٍ شرعيّ، بل ببساطته التي بعث الله بها نبيه ﷺ، مع بيان ما استغلق بسبب ضياع اللسان وعجمة الأفهام على مر الأزمان، أقول نقله لأبنائهم وإخوانهم وأقاربهم ممن ينتمي "للأمة"، والعمل جماعياً على الحفاظ عليه بمراجعته بشكلٍ دائم منتظم.
      4. أن نتذكر أن أمر التوحيد الذي نحمله في قلوبنا صافيا غير مكدراً، لا يستدعي تعالياً على أحد، بل هو فضل أعطانا الله إياه للشكر لا للإستعلاء.
      5. أن يكون من المشترك بين تلك البذور المبعثرة من الأمة في شتى بقاع الأرض، تواصل ما، لا يجب أن يكون تنظيميا أبداً، بل يكفي أن يكون جزءاً من منهج الولاء والبراء، وتطبيقه بعاطفة غالبة، على تلك التجمعات الأخرى التي تنتمي لأمتنا المتشظية اليوم.
      6. أن يحذر أبناء الجيل في بذرة أمتنا، من اتّباع مشايخ الوهم والخلط، من أصحاب أحاديث نهاية العالم والمهدي والدجال وخروج الدابة، فإن تلك العلامات تُظهِر نفسها، يوم يأتي حينها، لا يبحث الناس عنها وسط غرائب الدنيا فيلحقوا أنفسهم بها جهلاً وغباءً. وقريب منهم من يتنبأ بالنصر المبين في عشر سنين!
      7. أن يستمر هذا النهج بلا كلل حتى يرى جيلٌ قادم شعاعاً من النور يخترق حاضنتهم الخاصة، ويحمل وضعا جديداً يبعث الأمل الحقيقي على التغيير.

      أما عما نرى من بقايا اشتباكات هنا وهناك، في سوريا مثلا، فهي تصفية حسابات وإعادة تقسيمات لم يعد للثوار دور كبير فيها على الإطلاق، وإن ظهرت هكذا لمحبي الأوهام والعيش في الأحلام. وما علينا إلا أن ننظر في وضع السيسي الذي يقوى مع الأيام رغم صراخ الإخوان "انظروا.. هو يترنح...!!!" أو وضع الثورة السورية التي أوضحت حقيقة وحجم "أمتنا" بما لا مزيد عليه، لمن بَلَغَ وعقِل! فلا يجب أن نلتفت إلى الكثير مما يشيع بعض أبناء بذرة أمتنا أنفسهم عن الانتصارات القادمة السريعة المنجزة، كما لا يجب أن يصيبنا هذا بشعور الفشل والإحباط، فآيات الله واضحة في بقاء هذا الدين، لكن على النهج والشكل الذي يختاره الله سبحاه، لا ما يتصور كلّ جيل مفرد، أو شيخٍ معمم.

      وأخيراً

      دين الله باق لن يزول، فقد تكفل سبحانه بحفظه، لكن إملاء شكل من أشكال الحفظ أو وسيلة من وسائل البقاء والتمكين، أو مدته، أو حدوده أو مكانه، هو محض تخيلات الكتاب و"المفكرين والمشايخ" الذين قدموا الفهم السائد على النظر الواقعي للأمور.

      والله المستعان

      د طارق عبد الحليم      24 أبريل 2018 – 9 شعبان 1439

       

       

      ملحق إيضاحي على جملٍ في البحث

      أود أن أبيّن، مرة أخرى، أن العلم، في معناه الشامل، يعنى أموراً ثلاثة، بلابد. التحقق بالعلم الشرعية للدرجة التي ترتاح له نفسه ونفوس من في طبقته لينضم لزمرته في تلك الثلة. ثم معرفة الواقع أو الوقعة الحية التي ينظر فيها، ويعرضها على علمه ليجد ما يناسبها من فتوى ويلائمها من مخرج. ثم ثالثة، لا تقلِّ عن ايهما أهمية وهى نور من الله مغروز في الفطرة، لا يحمل إعجازاً ولا استثناءاً، بل هي درجة القدرة غلى الاستنباط من المقدمتين الأوليين، وهي تعتمد على الدرجة الأصلية للذكاء، ونوعيته، رياضي أو اجتماعي أو تحليلي..ومن فاز وعلا في هذا المضمار تفوق على من حصّل ثم حصّل ثم حصّل!

      بعد تلك المقدمة، يعلن البعض من المخلصين من الوجهاء أصحاب العلم أن

      1. لله سنن في الأرض تؤكد على استمرارية هذا الدين وانتصار أوليائه. "إنا لننصر رسلنا والذين أمنوا"، "ولينصرن الله من ينصره"، "وكان وعدا علينا نصر المؤمنين"، وغير ذلك من دواع الإرادة القدرية، غيى المتعلقة بالتكليف، وإن وردت دائما مقيدة بوصف مصاحب أو شرط ملازم، مثل "من ينصره"، ومثل المؤمنين أو الذين أمنوا".
      2. الباطل ضعيفا مهزوما، يذهب جفاء، ويبقى ما ينفع الناس في الأرض.
      3. الكيان الصهيوني لم يبق له إلا سنينا معدودات لينهار، وتنقلب قوته ضعفا واستعلاءُه مذلة! وأن المسلمون سيدخلون عليهم بيت المقدس ليدكون حصونهم  ويقضون على وجودهم "وليتبروا ما علوا تتبيرا".

      وتلك الآيات البينات المذكورات تدل بلا شك على بقاء هذا الدين وظهوره، كأمر قدري سيتغلب على ما يقع فيه المسلمون من تقصير بسيط أو إخلال.

      ولننظر إلى غزوة الأحزاب، وهي أدق ما وصل به الموقف من المسلمين، من أزمة عسكرية وحصار خانق، ولنسمع كلا الطرفين، المسلمين والمنافقين، يشرح الموقف من وجهة نظره الإيمانية، بعد أن ارتسمت الصورة الواقعية دون مداراة ولا رتوش

      "إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) .

      يقول المنافقون: "وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (14) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (17) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19) يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (20) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) ".

      بينما يقول المومنون "وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)"الأحزاب

      لم أتمكن من مقاومة وضع الصورة كاملة بين يديّ القارئ! لننظر في تفاصيلها.

      مدينة دخلتها أفضل عصبة من الرجال عرفتهم البشرية. واستقبلتهم فئات من الأنصار لايقلون عنهم إيماناً وتصديقا. ثم كان في هذه المدينة خبث معروف قديم، وملك تفلت من يد مدعيه، فجاهروا المؤمنين بالعداء، بلا تخف أو تبطّن. ثم كانت فيهم عصبة يهود بني قريظة الذي ظاهروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليُقاتلنه مع الأحزاب. وقد أظهر كل أولئك الخيانة في أول الزحف. بل نبئ الله سبحانه بما في قلوبهم، وأخرج ما في صدورهم، بحيث لم يدع لداع عذراً في تفنيدهم.

      الآن، أين أولئك من الكتلة الهلامية، التي تختلط وتمتزج بأمتنا لا يُعلم لها دين؟

      1. هل أظهرت الكتلة الهلامية الوقوف مع المسلمين ساعة واحدة، أذ إنهم بادروا بمعاداة الأمة، وتصيدوا كل عذر، من الدعم، إلى التصنيف، إلى الفهلوة السياسية، إلى المصلحة، إلى ترهات جهال أغبياء، كلامهم فيمن هم أرفع منهم قدْراً غير مسموع.
      2. هل تخفّى منهم نفر في الأمة بعد الأحزاب، وبعد أن أخرج الأعز منها الأذلّ.، إلا أقل القليل ممن عرفهم ﷺ؟ هل باتوا معروفين ترتعد فرائصهم مما سيلقونه على يد الله ورسوله ﷺ وصدق الله ورسوله ﷺ ؟
      3. هل كانت تلك الفئة الهلامية هم الأضعف يداً وقوة، أم، كما هي اليوم، الأقوى مالا وجنداً، وهم الذين بيدهم تنفيذ الأمر و النهي؟
      4. ثم هل يتدخل العامل القدري فيزيح الأسباب عن مسبباتها، ويفصل الأمور عن نتائجها، إلا بعد أن تتمحص الأمة ويخرج خبثها، الذي هو اليوم أضعاف أضعاف ما تبقى من الأمة، وبعد أن يقوم عصبة المؤمنين، بكل ما يمكنها من استعداد وترابط وتوحد صفٍ ليس بينهم وبين عدوهم إلا طبقة دهنية خفيفة جدا لا تغيّر التركيبة الإجتماعية لنسيج الأمة المرصوص. ساعتها، وساعتها فقط، يُكمل القدرُ الإلهي المرادَ الشرعي، ويتنزل نصر الله على من استحقه.
      5. ثم، هل فينا رسول الله ﷺ يتصل به ما بين الأرض والسماء، بلا انقطاع فيضئ كل خطوة في الطريق ويبيّن كل عثرة فيه، فقد كان الأمر وقتها وقت عصبة سيقوم بها الدين قياماً، لا استمراراً، وهم، من ثم، أفضل من على الأرض جهادا وإيمانا وصبرا وبذل نفس ومال وولد. فأين من يقل لي هذا ضريب زهران ابن علوش أو حسان ابن عبود، أو سمير كعكة أو الكناكري أو لبيب النحاس أو الجولاني وابا الحارث!

      د طارق عبد الحليم           6 مايو 2018 – 21 شعبان 1439

      تابع القراءة بتحميل الملف المرفق