فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      يا قوم .. عودوا لرشدكم

      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد

      إن من طبائع الأمور، حين تتعلق بالعلوم الشرعية أو الوضعية، أن المخضرمين في مجالها، من أهل العلم هم من يقودون ركب أمتهم في مجالهم ذاك، لا يحاججهم فيه أحد ممن لا حظ له في هذا العلم أو ذاك، وها هي المنشآت الأكاديمية في كل مكان بالعالم تشهد بذلك، بل تنظر بعين العجب والاشمئزاز والازدراء إلى من حاول تعدي حدود ما بلغه علمه، وبل وتفرض الدول عقوبات مالية وجسدية على من إدعى ذلك، حرصا على سلامة أبنائها.

      أقول هذا بسبب ما دار من الجدل العقيم السخيف، الذى أدارته مجموعة ممن لا علم لهم حقا، وإن تفاوتوا بينهم في ذلك، بين مرتبة الصفر والخمسة بالمائة!

      ويعلم الله إننا نكتب ونتحدث في الدعوة منذ نصف قرن بالتمام، لم نر هذه الظاهرة قبل أحداث الساحة الشامية، التي جرّت على أهل الشام ابتلاءات كانت تكفيها عوضا عن بلاء جديد سرطاني، يدمر ثوابتها، ويرجع أمر مرجعيتها إلى جهالها وعوامها.

      وهذا الحق ليس فيه تكبُّر على أحد ولا خفض من رتبة أحد قد استحقعا ابتداءً، لا والله، بل هذا حق في ذاته، بلا علاقة بأطرافه أياً كانت.

      وتلك الفئة التي خرجت من غبار الساحة المنكوبة، هم من الرجال متوسكي العمر، يقعون بين عديم الخبرة أو قليل الخبرة في شؤون الجماعات الإسلامية، ومناهجها. ثم إنهم، بلا استثناء، تتراوح أعمارهم بين 25 و 42 عاماً، منهم من نشأ في بيت دعوة،فما استفاد إلا اللقب، ومنهم من لم يعرف عن اإسلام والدعوة شيئا إلا منذ سنوات تعد على أصابع اليد لصلات أسرية لا غير! ثم إذا منهم اليوم "شرعيون" في فصائل بالشام وليبيا!!! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

      ولكننا لا نعتني بأشخاص تلك الفئة أقل الاعتناء، بل بما يمثلونه من منهج مدمر، وظاهرة سرطانية مُمْرِضة، وهي الرئاسة والزعامة والتقدمة بين الخلق دون المؤهل لذلك. وهو فعل يقرب من فعل السارق، إذ مثل هؤلاء يسرقون مكان غيرهم ممن يستحقها، فيحرمون الناس من الاستفادة الجادة أولاً، ثن ينشرون زيفاً وإن لاقى حقا في نادر الأمر. والأمو منا نرى ليست بحاجة إلا أمراض جديدة تصيبها من حيث لا تحتسب. وقد رأينا مغبة تنصيب من هم من أهل الإتلاف والانحراف حين قبضوا على زمام الأمور، ماذا حلّ بالناس. كما رأينا حين سوّد هؤلاء الحكام أهل الحداثة ممن رفضوا مرجعيات علماء المسلمين كابن تيمية والبخاري وكافة من تقدم، علما وزمنا، قالوا نحن نرعى الأمة إذ نحن شبابها وقلبها الواعي، فما لنا بهؤلاء القدماء، الأحياء منهم والأموات. وهؤلاء مثلهم بالتمام مثل تلك الفئة، إن لم يكن طؤيقهم واحد لكنها وحدة النظر والتوجه المدمّر.

      لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم       ولا سراة إذا جهالهم سادوا

      ويقول أفراد تلك االفئة: نحن ندلي بدلونا، ونفصح عن آرائنا، فلم تعاملونا كأننا أقل منكم شأنا ,أضعف منكم فهماَ؟

      والجواب، أنه لو تعلق الأمر بمناسبة لون الجلباب للحذاء، أو أفضلية آي-فون على سامسونج، لما كانت هناك مشكلة، ولاستمعنا لآرائكم بكل احترام وتبجيل واعتبار.

      لكنه مصير أمة يا دواهي العصر. مصير أمة في أحلك أوقاتها وأعنف نوازلها. نوازل يخشى العالم المهاب أن يبدي فيها قولا، إلا إن لم يسبقه قرين له، فيرفع عنه الحرج، أو كان وحيد نوعه في محلته. فإذا بهؤلاء البشر من أعشار طلاب العلم، يتصدون ويفتون، ويصححون ويخطؤون، ويهمزون ويلمزون، ويقيمون ويسقطون، في كل مسألة تعرض لهم. وما كان هذا ليكون لولا أنّ النت اليوم لسان من لا لسان له، وفقيه من لا فقه له. وهم يتحججون بأنهم إنما يقولوا بآرائهم لا يلزمون بها أحدا! وهل هناك في الحديث عن شؤون العامة من الأمة آراء .. هكذا؟ فإن كانت قد عريت عن علم فهي جهل وتدليس، بل إجرام خسيس.

      وما تلك العمومات والإطلاقات التي ينتزعونها من كتاب الله، أو سنة رسوله، أو أقوال أداها اليهم جوجلهم، بدليل داعم، فإن المحصلة العلمية لمثل هذا المستوى لا تصل إلى ترتيب تلك الأدلة، وعرضها بعضها على بعض، ثم استقراء ما جاء فيها، ثم ممارسة العتارض والترجيح، ثم ملاحظة الاستثناءات والتخصيصات، ثم ما مرّ بالعالم المخضرم في عقود، مارس فيها الفحص والبحث، فيعرضها على ذلك العقل ثم ينطق بما يقول .. على وجلٍ.

      أمّا هؤلاء، فقد تابعوا أصحاب الحداثة من أمثال أتباع الغنوشية والعلوانيين والجابريين، فقالوا، نحن وأنتم سواء، وما التقدم في العلم إلا هراء!!

      هل أحصى لكم كم من آية شهدت بمعنى "قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون" والعلم هنا على تفسيرين، أولهما العموم في أي علم، أو الخصوص في العلم بالله، ثم يلحق به العلم بكافة العلوم قياساً[1].

      تلك الفئة، هم من جيل أبنائنا، بل ومنهم من من جيل أحفادنا، ولو رأينا أنهم ممن كان له في العلم باع بحق، ما خفضنا لأحدهم رأسا، ولا كسرنا لأحدهم قدماً. لكن إيقاف هذا التوجه فرض عينٍ اليوم على القادر عليه من مخضرمي العلم والخبرة.

      وقد رأينا الدكتور سامي العريدي مثلا، فهو في عمر إبني شريف فرج الله كربه وفكّ أسره، لكن الرجل أقنع القراء وأقنعنا بأنه على علم يستحق أن يستمع له من هم أقدم وأخبر. فالأمر ليس بأجندة ضد أسماء معينة، فإن تلك الأسماء مجهولة من قبل وستعود للجهالة من بعد، إذ ليس لهم آثار يتركونها للناس، ولم يكن لنا أن نترك لهم الأمة يفسدوا فيها ويبدلوا الآراء ويخربوا عقول الدهماء.

      والله ولي التوفيق

      د طارق عبد الحليم

      6 فبراير 2018 – 21 جماد أول 1439


      [1]  الموافقات الشاطبي ج4 كتاب الأدلة، دليل السنة ص 39 وبعدها