فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      أحداث أوروبا .. أسباب ونتائج - الجزء الأول

      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد

      الجزء الأول

      (1)  تقدمة

      الحديث عن مسائل الهجمات في أوروبا أمرٌ شائك عويص، يحتاج إلى تدبر وفكر يحيط بالمسألة الإسلامية ككل، أصلا وفروعاً، وبمسارات التخطيط الدولى، وبمؤامرات القوى العالمية. لكنه كذلك أمرٌ يجذب المحلل السياسيّ، خاصة المهتم بشؤون قومه، فلا يسعه السكوت فيها، مع شدة خطرها وتشابك أمرها.

      يختلف أمر الصراعات الدولية حسب معايير كثيرة وعوامل مختلفة، يحسب لها المخططون حساباً دقيقاً، ويعملون بتوازنات حساسة، ويعتبرون متغيرات لا حصر لها في مواجهة مثل هذه الصراع.

      فمثلا الفرق بين صراع محليّ قائم في مناطق محددة من العالم، مثلما حدث في فيتنام أو في العراق، والذي حقيقته غزو أمريكيّ أبعد ما يكون عن لفظ الصراع التقليدي، وبين صراع دوليّ مثل الحروب العالمية أو الحرب بين الكوريتين أو تركيا وروسيا القيصرية، وما شابه. كلّ من الصورتين تملي نظراً خاصاً على منهج التعامل العسكري وطرق المواجهة.

      ومنها طبيعة الصراع، سواء كان صراعا دنيويا بحتا يُقصد به السيطرة والتحكم، أم له بعد حضاريّ يجب أن يدخل في الحسابان.

      ثم ميزان القوى المتصارعة في العدد والعدة، ومناطق القوة والضعف في كلا الطرفين، بشكلٍ عمليّ يضع في الحسبان القوى الإيمانية موضعها، دون إخلال بالأسباب الدنيوية التي بنى الله عليها الدنيا.

      ثم طبقات الصراع القائم، وزواياه ودرجاته تصعيداً وتهدئة، حسب الظروف المتاحة في كلّ محلة من محلات الصراع.

      ثم حسابات المصالح والمفاسد المترتبة على كلّ عمل على حدة، من كلا الجانبين، فقد يتخذ العدو خطوة تُحسب عليه لا له، ويمكن استغلالها ضده دون ردة فعل مثلا.

      وهذا غيض من فيض العوامل التي يجب اعتبارها في مثل تلك الصراعات. والأسئلة التي تنشأ عنها كثيرة متعددة، مثل:

      • ما هي طبيعة الصراع القائم في الشرق الأوسط؟
      • ما هي طبيعة النظم المتصارعة؟
      • من العدو الأصلي ومن الثانوي في تلك المواجهة؟
      • ما هي حدود المواجهة؟ وما عوامل تصعيدها؟
      • ما نوعية المواجهة العسكرية الواجبة في كلّ حالة على حدة؟
      • ما مدى المصلحة في توسيع رقعة المواجهة؟
      • ما القدرة المتاحة لتوسيع جبهة المواجهة؟

      والإجابة عن مثل هذه الأسئلة أمر اجتهاد ونظر، لا يمكن أن يكون أمرها محسوما بالكلية، لكن هناك ما هو أقرب إلى الصواب فيها، وما هو أبعد، إذ ما يترتب علي تلك الإجابات من نتائج تحمل مصالح ومفاسد، تقترب بنا من الهدف، أو تبعدنا عنه. لكن الاجتهاد واجب على كلّ حال، للقادر عليه، فإن الرأي هما لا يجب أن ينبع من هوى أو معلومات سطحية تراكمية من مصادر عامة، توهم المرء أنه قادر على التصدي لها. بل يجب أن يكون نظراً (لا راياً) شرعياً يأخذ بقواعد الشرع الذي درُب عليها عقله من خلال دراسة شرعية واسعة وممارسة فقهية متمرسة.

      فلا ندعي أن بحثنا ونظرنا هو القول الأخير الفاصل في هذا الأمر، لكننا نحسب أنه الأوقع والأقرب للصواب والأحق أن يصل للهدف المرجو إن شاء الله تعالى.

      (2)

      ما هي طبيعة الصراع القائم في الشرق الأوسط؟

      الصراع في الشرق الأوسط ليس صراعاً محلياً في أصله، ولا حديثاً جديداً، كما هو معلوم لكلّ دارس أو طالب علم. فقد بدأت طلقاته الأولى مع ظهور الإسلام على الفرس والروم، ثم دارت حروب طاحنة بين الشرق والغرب، الشرق فاتحاً، استقر وعمّر، والغرب غازياً، خرّب ودمّر. وأصبح الإسلام نسيج المجتمع في البلاد المفتوحة، لا غازيا ولا مستعمراً. ثم جاءت الحروب الصليبة، إحدى عشر حربا متتالية .. ثم الحملة الفرنسية الصليبية، ثم الحملة الأمريكية الصليبية في هذا القرن.. كلها حملات عسكرية بحتة، أعقبت تخريباً ثقافيا وعقدياً واجتماعياً واقتصادياً دام قرنين من الزمان.

      فالصراع إذن عالميّ في طبيعته وأصله[1]. لكنه يقع، أساساً في منطقة العالم الإسلاميّ، فليست هناك جنود أو عتاد على أرض الغرب، ولا طائرات تجوب سماءه. الغزو إذا غربيّ بحتٌ لا مراء في ذلك.

      والصراع هنا، إن صح تعبير الصراع الذي يوحى بتوازن القوى المتصارعة، له طبائع متعددة، لا يمكن حصره في طبيعة واحدة. أولها أنه صراع حضاريّ في طبيعته، بين منهج إسلاميّ بنيت عليه حضارة سادت العالم قرونا متطاولة، ثم أصابها ما يصيب الحضارات من سنن التحول والسقوط، فلم يبق منها إلا "ثقافة عامة" Culture تسود بين أبنائها، ولغة تجمعهم، وبين حضارة حديثة مولّدة من حضارات سابقة عدة، منها الاسلامية والرومانية والاغريقية، متلبسة بمسوح نصرانيّ من بقايا دين عيسى عليه السلام، بعد تزييفه، ثم رفض الدين المزيف! ثم التعلق به شعورياً والتحرر منه حياتياً.

      • وقد تولّد من هذا البعد الحضاري صراع ثقافيّ فكريّ، بدأ الغزو منذ أواخر القرن الثامن عشر، أيام الحملة الفرنسية، ثم تابع امتداده في صورة "تحديث" للعالم الإسلاميّ، سواء بإرسال المستشرقين للشرق، أو استقبال المبعوثين للغرب. ثم زادت وتيرته واحتدت سطوته إبان عهد الاحتلال الانجليزي والفرنسي والأسباني لبلاد المسلمين من المحيط إلى الخليج، خاصة وقد شارك حكام المنطقة في تكثيفه وتعميقه كما سنرى.
      • ثم هو بَعدُ صراع على الثروات التي منّ الله بها على هذه البقعة من الأرض، من نفطٍ ومعادن لا حصر لها، أصبحت مدد ضروريّ لتسيير الحضارة الغربية المادية الحديثة. وهذا البعد من أخطر تلك العوامل التي أدت لهذه الحرب الضروس، وذاك الاحتلال المتمثل في قواعد عسكرية أمريكية وانجليزية، وأخيراً قاعدة روسية في قلب المنطقة بساحل الشام. ثم على رأسها القاعدة الأمريكية الكبرى التي يمثلها الكيان الصهيونيّ الخبيث.
      • ثم هو صراعٌ بين القوى العالمية على احتلال وتخضيع المنطقة سياسياً لأهميتها الجغرافية، كرابط بين الشرق والغرب، بين أوروبا وآسيا وأفريقيا. فليست هناك منطقة أخرى من العالم تقع على حدود ثلاث قارات إلا منطقة الشرق الأوسط، خاصة مصر والشام.

      هذه إذن طبيعة الصراع. صراع ثقافيّ اقتصاديّ اجتماعيّ عسكريّ، يحاول فيها الغرب أنْ يُغيّر من ثقافة الشعوب المسلمة، عن طريق التعليم والمناهج والإعلام خاصة، ليتم له الأغراض التي تحدثنا عنها.

      (2)

      ما هي طبيعة النظم المتصارعة؟

      الفارق كبير، جدّ كبير، بين النظام السائد في الغرب وبين النظام الذي بُني في فطرة أهل الإسلام .. وهو النظام الإسلاميّ وشريعته، وإن لم يعد نظاماً متبعاً في أيّ من تلك الدول التي انقسمت بعد سقوط الخلافة العثمانية، والحرب العالمية الأولى.

      يقوم النظام الغربيّ على أسس مخالفة تمام المخالفة للنظام الإسلاميّ، خاصة في مصدر التشريع، لا في بعض تفاصيله، إذ قد يتفقا في بعض صور التقنين العامة في مجالات النظريات الأساسية التي تتناول الأحوال المدنية وطرق التصرفات، كما يظهر في دراسة مقارنة لنظريات الملكية أو الضمان، بخلاف القصاص والحدود الجنائية.

      ومصدر التشريع في النظام الإسلاميّ هو الوحي المعصوم، في نصوصه المحفوظة، ثم الاجتهاد المبنيّ على القواعد الناشئة من تلك النصوص، مفردة أو مجتمعة، على ثلاثة مستوات، قواعد الأصول، والقواعد الفقهية والنظريات الفقهية.

      والنظام الغربيّ يعتمد على منظومة متكاملة من النتاج البشريّ البحت، دون اعتماد الوحيّ، من حيث لا وحيّ بشرائع تتعلق بالمسيحية أصلاً، وقليل منها في الديانة اليهودية. فكأنما اعتمد الغرب على العقل البشري اجتهاداً دون نصوص، سواء في إثبات الأصول أو القواعد أو النظريات.

      وبناء على ذلك الفرق، فإنّه رغم وجود بعض التشابهات بين الأحكام الفقهية والقانونية الوضعية، فإن الخلاف يظل قائماً في مصدرهماً أولاً، ومقصدهما ثانياً.

      أما عن البناء الحضاريّ الذي يقوم على تلك النظم، فمن الواضح إنه يختلف اختلافاً بيّنا بين النظامين، لما قررنا. فالمنظومة الإسلامية تقوم سياسياً على الشورى الممنوحة لأهل الحلّ والعقد على قدر العلم والكفاءة، واقتصادياً على نظرية الملكية الخاصة بضوابطها وموانعها ومحاذيرها كالربا، واجتماعياً على الوحدة الأسرية التي تنشأ من ارتباط شرعيّ بين رجل وامرأة أو أكثر، بضوابط محددة.

      أمّا النظام الغربي فيقوم سياسياً على النظام الديموقراطي، الذي يكون فيه حق الاختيار والترشيح مشاعاً على أساس المواطنة، واقتصادياً على أساس الملكية المطلقة الحرة دون قيد، إلا فيما يحمى مال الفرد من التحايل والاغتصاب، واجتماعيا على أساس الفردية لا الأسرية، مع حق تكوين "الأسرة" من أفراد من جنس مماثل أو مخالف.

      وقد ترتب على كلّ نظام، مرجعيات فكرية، عقدية واجتماعية، وطرق للمعاملات وعادات وتقاليد، تختلف أشد الاختلاف، وتتباين كل التباين بين النظامين. هذا الاختلاف والتباين قد دعمته عوامل كثيرة، على رأسها عامل الولاء والبراء لدي المسلمين، والجهل المتبادل بين طبيعة شعوب الشرق والغرب ووسائل حياتهم.

      والمحلل للأوضاع السياسية في عالم اليوم عليه أن يكون دقيقاً في اعتبار الاوضاع الاجتماعية، لشدة العلاقة بينهما. ذلك أن العصر الحاضر قد ربط ربطا مباشرا بين منظمات العمل المدني التي تمثل عامة الشعوب، بالعمل السياسي. وهو أمر جعل الحكومات في الغرب تعمل حسابا لها من زاوية أنها تراقب تصرفاتها، وتفضحها، في كثير من الآحيان، بينما هي تعمل لصالحها بالكلية في الشرق المسلم.

      وهذا يجرنا إلى وجوب اعتبار الفرق بين الحكومات عامة[2]، شرقية وغربية، وبين الشعوب عامة، شرقية وغربية. فالحكومات كلها بلا استثناء، تقوم على عداء لشعوبها بشكلٍ أو بآخر، وإن اختلفت في صور هذا العداء. كما تقوم على المصالح الشخصية لأعضائها، في مقابل أبناء الشعوب شرقية وغربية. فالجامع المشترك هو الخديعة والمكر وعلو المصلحة الشخصية والاستغلال. لكنّ الغرب، نظراً لطبيعة أفراده التي وصفها رسول الله صل الله عليه وسلم في حديث عمرو ابن العاص أدق وصفٍ، لا يصلح معهم القهر والعنف، فلجأت الحكومات إلى الحيلة والخديعة والكذب والإعلام الموجّه. بينما الشرق المسلم، لم يحتج حكامه لكثير من ذلك، فقد وظفوا الجهل والخديعة كما في الخليج، والعنف والقتل والاعتقالات في بقية بلدانه. وهذا النظر سيساعدنا في تحليل ما سيأتي من فصول إن شاء الله.

      يتبع الجزء الثاني إن شاء الله

      [1]  أخطأ بعض الكاتبين الأكاديميين في تحليل طبيعة الصراع، مثال http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2016/3/23/%D8%AA%D9%81%D8%AC%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A8%D8%B1%D9%88%D9%83%D8%B3%D9%84-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%85%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%AA%D9%84%D8%A9

      [2] راجع مقالنا "بين الحكومات والشعوب - نظرة شرعية واقعية" http://tariq-abdelhaleem.net/new/Artical-72834