فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      كتاب أحداث الشام .. كما رأيتها نوفمبر 2013 – ديسمبر 2015

      مقدمة

      خمسة وعشرون شهراً كاملة، قضيتها في متابعة أحداث الشام، يوما بيوم، بل ساعة بساعة، منذ أن غربت شمس الأمل من أفق مصر، بعد انقلاب السيسي في يونيو 2013، وانتشر زعاف "سلمية" الإخواني في عروق المقاومة المصرية المحدودة، المتهالكة أصلا.

      وجهت وجهة الشام أبحث عن البديل الممكن لاستنقاذ الأمة من الوهدة التي وقعت فيها، بعد أن انقلب ربيعها خريفاً، بكل ما تحمل الكلمة من معانٍ. فقد خانها أمناؤها، وباعها ملوكها وحكامها، واغترت شعوبها بما يحمل إعلام الحكام من كذب وغيّ وبهتان. كما تمالأت عليها قوى العالم كله، بلا استثناء، ينهشون في ثرواتها، ويقتلون أبناءها باسم الارهاب.

      وكانت الثورة السورية قد قاربت عامها الثاني، ودخلت في طور المقاومة المسلحة مع بدايات 2012. وقد ارتبطت الثورة السورية بالساحة العراقية، التي أنشا فيها أبناء الصليب خراباً ودماراً مكّن الروافض المجوس أن يتمددوا اليها، بعد سقوط صدام. وعاشت السنة أسوأ عهودها منذ تولت حكومة المالكي الحكم، وتقارب الغرض الصهيوني مع الحلم المجوسي، ووقعت المنطقة كلها في فوضى عارمة، ادّعوها "خلاقة"!

      وكان ما كان من بدْأ حركة سنية قوية، كان رأس حربتها فرع القاعدة في العراق، الذي كان مبايعا للشهيد بإذن الله أسامة بن لادن، ثم من بعده لحكيم الأمة د أيمن الظواهري حفظه الله. وتوالى على هذه الحركة الزوقاوي، ومن بعده أبو عمر البغدادي وأبو حمزة المصري، حتى استشهدوا جميعا، رحمهم الله تعالى.

      ثم كان اختراق التنظيم من قيادات البعث العراقي الساقط، ثم تنصيب إمعة مجهول على رأسه هو إبراهيم ابن عواد المعروف بأبي بكر البغدادي. واختفت من ورائه القيادة البعثية، ترسم وتخطط، وتستعمل الاسلام شعاراً لجلب المريدين والاتباع من كل حدب وصوب. واستغلت مباركة الشيخين للجماعة في أول عهدها كذريعة لكسب المزيد من التأييد.

      ولم يكن أمر تلك الجماعة ظاهراً للعيان في أول منشئها، بل انخدع بها الكثير سواء من قيادات القاعدة، أو قيادات الحركات الاسلامية في العالم، اللهم إلا عدد جدّ قليل ممن عمل معها في العراق، ورأي رأي العين توجهات قيادتها.

      ثم كان أن أرسلت الحركة أحد أبناء سوريا، أبو محمد الجولاني، على رأس مجموعة مسلحة، حملت اسم جبهة النصرة، لتكون رأس حربة للمقاومة الاسلامية الوليدة هناك. وكانت المقاومة الثورية، التي لا تنتمى لجماعات أو لمنهج سنيّ شفاف قد بدأت تحت اسم الجيش الحرّ، ومعظم قادته من العسكريين المنشقين عن الجيش السوري.

      واستطاعت جبهة النصرة أن تكوّن حولها تعاطفا شعبيا كبيرا، وأن تجلب أعدادا من السوريين لينضموا للجبهة، فتردد اسمها وعلا صيتها. كما تزامنت وتوالت جماعات كثيرة على الساحة، منها من جمع العدد والعدة، ومنها كتائب وألوية صغيرة محلية.

      وحين رأي  البعثية العوادية أن جبهة النصرة بدأت في التمدد داخل الشام وكسب الحاضنة الشعبية قررت قيادتها أن تضمها تحت جناحها وتلغى وجودها المستقل في الشام. وبدأ الخلاف.

      قال فريق جبهة النصرة إنه مبايع للجماعة الأم – القاعدة - ومِن ثم بيعته لجماعة الدولة الإسلامية في العراق، كما عُرفت وقتها. وادعى فريق جماعة البعثية العوادية إن النصرة لها في عنقه بيعة، ومن ثم يجب أن تخضع لقراراته بضمها لجماعة الدولة الإسلامية في العراق تحت إمرة ابراهيم ابن عواد.

      وفي هذا الحين، وفي تلك الظروف، تعرفت على الساحة الشامية، وتواصلت مع بعض من أمراء جماعة الدولة، وبعض شرعيي النصرة. وحاولت تقريب وجهات النظر ما استطعت لذلك سبيلا.

      ولم يكن ظاهراً مستقراً في حينها، أي منهما أو كلاهما له البيعة للقاعدة، كما لم يكن واضحاً، لي على الأقل، المذهب العقدي الذي تبنته جماعة العوادية، ولا كيرا من أفعالها على الأرض، احتماءً بذاك المذهب. فأمرى وأمر الشام كان ابن شهر، لا يزيد على ذلك.

      وكان مما يظهر على السطح، تمالأ القوى الغربية ضد جماعة الدولة، ووقوف كثير من الجماعات في الشام ضدها، وإنشاء السعودية جيش الإسلام بقيادة زهران علوش رحمه الله، ومما ذكر لي شرعيو الدولة مثل أبو بكر القحطاني وتركي البنعلي عن إنهم لا يتبنون مذهب الخوارج، وإنهم لا يتابعون مذهب أحمد بن عمر الحازميّ السعودي في هذا الابتداع العقدي من تكفير أعيان المسلمين بالجهل، وتكفير من لم يكفرهم بالتسلسل.   

      لم تظهر لي هذا الأمور واضحة إلا بعد حوالي ثلاثة أشهر، أي في منتصف فبراير 2014، حين بدأت جرائم جماعة العوادية تظهر على السطح في قتل أبي سعيد الحضرمي، ثم أبي محمد الفاتح في الشرقية ثم أبي خالد السوري، رحمهم الله جميعا. ثم توالت تلك الأحداث من وقتها.

      وفي هذا الوقت، الشهور الثلاثة، كتبت عدة مقالات أدافع عن موقف الدولة، من المنظار المتاح لي وقتها، وأحاول جاهداً أن أجمع بين الحركتين، وأبدي الرأي وأتساءل عن كثير من تصرفات جماعة العوادية التي لم أفهم لها مبررا وقتهان بما أتيح لي من معلومات. خاصة وقيادة القاعدة كانت صامتة عن بيان طبيعة العلاقة مع تلك الحركة.

      وقد أخرجنا، وفضيلة الشيخ الفاضل هاني السباعي، الذي كان، ولا يزال، خير معينٍ ورفيق لي، بيانا "دعوة للصفح والصلح"، ندعو فيه الطرفين للتقارب والعمل على مواجهة العدو الرافضي النصيريّ المشترك. ولم يجد البيان أذنا صاغية من جماعة العوادية.

      ثم كتبت عن طبيعة الحرورية، بعد أن اشتممت رائحتها، وأصّلت مبدأ قيام تلك الفرقة تأصيلاً لم يتناوله أحد من قبل في هذه الأزمة، إذ تلجلج الجميع حول موضوع التكفير بالكبيرة، ولم يجدوا مخرجا من هذا المأزق، من حيث لم يقل العوادية بذلك! وكان هذا التحليل، وما أسميته وقتها بالقاعدة الذهبية، أول ما دُوّن في فضح المذهب الحروري على الإطلاق، إن نحينا جانبا

      وكان أنّ رفض الجولاني قرار أن تندمج النصرة فيما أسمته قيادة البعث العوادية "دولة العراق والشام"، ورُفع الأمر إلى د أيمن الظواهري بموافقة الطرفين، ابن عواد والجولاني. وكان أمل ابن عواد أن يأتي قرار أميره الظواهري بتأييد موقفه. لكن حكمة الظواهري، ومعرفته بما يدور من أمور، أبت إلا أن تبقى الحركتان منفصلتين، وأن يقر البغدادي على العراق، والجولاني على الشام لفترة عام تتضح فيه الأمور.

      واشتعل البغدادي غيرة وغضبا، وشعرت قيادة العوادية البعثية أنها ستفقد محلها في الشام، حيث النفط وحيث الوضع أقل خطورة منه في العراق التي هيمن عليها الإيرانيون، فأعلنت على لسان متحدثها المشؤوم طه فلاحة، أنها تمددت للشام، وأنها ألغت وجود النصرة، بذريعة إنها لا تعترف بسايكس بيكو! ويلم الله أن فعلهم ه تكريس لمبدأ سايكس بيكو في المنطقة كلها. ورفضت العوادية حكم الدكتور الظواهري، بل وأعلنت أنها لا تخضع لإمارته أصلاً!

      وجاء بيان "ليس هذا منهجنا" واضحا صريحا قويا. واضحا في إرساء قواعد الغدر واستحلال الكذب ونقض البيعة، صريحاً في الانتماء للحرورية عقدياً، وقويا في هجومه على السنة في ششكل جماعة النصرة واستحلال دمائهم.

      وجاء ردّنا عليه، مع د هاني السباعي، في بيان "حقيقة تنظيم إبراهيم ابن عواد"، واضحا صريحا قويا. واضحاً في إثبات جرائم تلك الجماعة وقتلها لرؤوس المجاهدين المخالفين، على الطريقة البعثية الوحشية، وبناء سور من الرعب حول تنظيمها، وصريحا في تقرير البدعة الحرورية وأصلها وتجليها في تصرفات تلك الجماعة ووصمها بالحرورية، وقويا في رفضها ورفض ما تمثله، جملة وتفصيلاً. وكان هذا البيان هو أول ما دُوّن على النت من بيانات فاضحة لذلك التنظيم الحروري الغادر.

      ثم خرج تنظيم الحرورية بإعلان خلافة لا أساس لها من بيعة أهل حل وعقد، ولا شورى السلمين من ذوى الشوكة، ولا رضاء أو قبول أي طرف هذا الاعلان، فكان قنبلة أخرى زادت من ضبابية الوضع في الشام وفوضى الحركة وشق الصف استحرار القتل بين المجاهدين. وهذا بالضبط كان هدف ذلك التنظيم، الذي ظهر مؤخرا تعاونه مع النظام لتبادل المنافع والاراضي، ومحاولة استرضاء الغرب لترسيم حدود مقبولة لدولتهم المزعومة.

      ثم توالت مقالاتي حول أحوال الساحة، مناصرا ما أراه حقا، وأدعم الرأي بالدليل الشرعي والعقلي. فدونت من وقتها أكثر من مائة وعشرين مقالاً، بعد أن وثّقت لمقالات فترة التعرف على الساحة، التي انتهت في 11 أبريل 2014، أي دامت أربعة أشهر وعشرين يوما بالتمام، انتهت بكتابة رسالة إلى شرعيي ذلك التنظيم، تبيّن تسترلات حول تصرفاتهم وعقائدهم، كما طلبوا منى. لكن لم يردوا عليها حتى خرج بيان الكذاب الأشر طه، ومن بعده بياننا.

      لكن الأزمة في الشام لم تكن من جهة الحرورية وحدها، وإن مثلوا السكين الذي طُعنت به الحركة في ظهرها. فكانت هناك تحركات موازية تريد أن تفرض حلولا محلية تبتعد بالشام عن أيّ شكل من أشكال الحكم الإسلاميّ السنيّ. وقد تجلت تلك الحركات في الجيش الحر، ومن بعده في جيش الاسلام المدعوم خليجياً، وفي الجبهة الإسلامية التي ضمت في بدايتها هيئة الأركان والمعارضة الفندقية العميلة للغرب. ثم انفصلت المعارضة المسلحة عن المعارضة الفندقية، لكنها عادت أخيرا لتتحد معها تحت راية آل سعود في مؤتمر الرياض، بفعل قوة الريال وسطوة الدولار.

      وكان أن حذرت، بل وهاجمت من وقف بجانب التآمر الخليجي، سواء من الأفراد أو الجماعات. ووقفت بالمرصاد لتلك الكتابات التبريرية المختلة شرعا ومنطقا، والتي تولى كبرها عدد من صبية تويتر من حدثاء الأسنان وسفهاء الأحلام، يقفون على الطرف الأخر من منظومة العقيدة الإسلامية، ترفرف على رؤوسهم رايات الإرجاء الإخوانية والسرورية، وإن رفضوا انتسابهم لها، تماما كما ترفض العوادية نسبتها إلى الحرورية. وانضم لهم عدد ممن كان لهم دور جهادي معروف ومشكور، لدوافع شخصية بحتة، تظهر لمن ينظر في أحوالهم. وإن خفت عنهم بطبيعة الحال، فقادوا في الساحة، الدعوة إلى فك الارتباط بالقاعدة، وهي دعوى فاشلة من وجهة نظرنا، وبالغ بعضهم في مهاجمة النصرة وقيادتها، وتجريح العلماء المناصرين لها دون حياء، كفعل العوادية سواء بسواء. كما دعموا خيارات السلام الاستسلامي الفتحاوي الاخواني السروري، وتمكين حكومة علمانية في مصير الشام، باسم رفع المعاناة عن الشعب السوري.

      وقد قررت أن أضع كل ما دونت من مقالات في شكل كتاب مجموع، يحفظها من الضياع أولا، ويتيح ثانيا، لمن أراد، أن يتابع الأحاث تاريخياً، من وجهة نظر سنية خالصة، لها رصيد علميّ في الأصول والفرق والعقائد، ويد في الدعوة بما يقارب أربعة عقود. والفضل لله وحده لا لغيره.

      وسيضم هذا الكتاب:

      • مقدمة
      • المقالات – بترتيب زمني
      • فهرس المقالات
      • فهرس موضوعي للمقالات
      • خواطر نُشرت على تويتر في حينها

      وسنخرج الكتاب إلى النور في خلال الشهر القادم إن شاء الله تعالى وبعونه

      ولعل الله أن يتقبل عملنا هذا خالصا لوجهه، صحيحا على سنة رسوله صلى الله عليه وسلم

      د طارق عبد الحليم

      31 ديسمبر 2015 – 20 ربيع الأول 1437