فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      تحقيق النظر في نواقض الإسلام العشرة

      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد

      فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأصدق الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها.

      وقد أحدثت فرق البدع كلها، وآخرها العوادية الحرورية، التي اتبعت الفكر الحروري عقيدة والبعثية الصدامية مسلكا وسياسة، فكانت أسوأها على الإطلاق، إذ اراقت الدماء واغتصبت المال، وكفّرت المسلمين وقتلت المجاهدين، بدعاوى زائفة زينتها لهم شياطين عقولهم، ورويبضات علمائهم ، وإغراض قادتهم، فكان ذلك التنظيم المسمى بتنظيم الدولة.

      وقد استخدمت الرويبضات الذين أسموهم علماء، بل وكافة جهالهم، ما كتب الشيخ محمد ابن عبد الوهاب، في بيان الأمور العامة المجملة التي يُنتقض بها إسلام المرء. وطار أفراخ العلم هؤلاء بما كتب الشيخ، وراحوا يطبقونه بحرفيته، وكأنّهم يتبعون السلف الصالح من العلماء، دون معرفة بأي شكل من أشكال العلم الشرعيّ، إذ هيأ لهم سادتهم وكبراؤهم أنّ الأمر سهل بسيط لا حاجة فيه لعلم، هذه نواقض الإسلام، من ترى إنه ارتكب واحد منها فقد كفر وحق لك أن تقتله، هكذا .. وأن من يقول لك من أصحاب العلم: أن قف، وخذ فتواك من عالم، إنما هو حاسد لك على نعمة فهم الإسلام وتحصل الإيمان وإدراك الإحسان، فلا تلتفت اليهم، وسر في طريقك، تقتل كل من يخالفك بدليل تلك الكلمات التي لم تقرأ غيرها في حياتك، فهي كافية للقتل وسفك دماء من ظاهره الإسلام يقيناً.

      وقد بيّنا في مقالنا السابق "تأسيس النظر"[1] مسلكين هامين، هما أهم مسالك سقوط هؤلاء المبتدعة في خطل وتحريف للقرأن وآياته ومفاهيمه. ونود هنا أن نطبق هذا على ما جاء في كلام الإمام محمد ابن عبد الوهاب، حيث قد غمط حقه صنفان، صنف طار بما كتب فاستعمله سيفا على رقاب المسلمين، وهم العوادية المجرمون، وقسم رأي إنه غالٍ متطرف أصلٌ في التكفير ورواجه، فسبه ولعنه مثل الجاهل المسمى محمد المسعري وصحبه. وكلاهما سيقف بين يدي الله يواجهون شيخ الإسلام، يقتص منهم الله له، بجهلهم المطبق.

      وقبل أن نبدأ في تفصيلات تلك النواقض، نذكّر بأن معنى "الناقض" أساساً أن صاحبه كان أصلاً على دين الإسلام، وهو ما يجعله يفترق نظراً وحكما عن الكافر الأصلي، فلا يجب الخلط. ثم أمر آخر، وهو أنّ الأصل في قواعد الشرع أنّ الظاهر يطابق الباطن ويحكم عليه. لكنّ الباطن غير مقدورٌ على الاطلاع عليه، لذا فإنه يجب أن يتحرى الحاكم أو القاضي أو المفتي كل احتمالات الظاهر التي قد تكون منعكسة عن باطن مخالف، حتى لا يكون مجالاً لتعليل أو تأويل، فهناك يكون الظاهر منطبقا على الباطن حتى دون اطلاع على ذلك الباطن.

      وقولنا السابق ليس كقول المرجئة، ولا مرجئة الفقهاء ممن جعل الظاهر المكفّر انعكاس للكفر الباطن، فإن لم يكن الباطن كافراً لم يكفر بالظاهر! هذه جهمية وبدعة منكرة، إنما نحن نؤكد على أنه إن اختل الظاهر اختلالاً لا وجه فيه لصحة بأي شكلٍ، فقد سقط الباطن ولا محالة.

      ويجب التنبه على أن "نواقض الإسلام" لا تحصر بعشرة ولا بألف ناقض، بل هي بقدر ما في الإسلام من أحكام وأصول وفروع. فردّ أي واحد منها، مما ثبت بالدليل اليقيني، هو ناقض للإسلام. فيكون حصر النواقض في عشرة هو من قبيل الكليات التي تشمل تحتها ما لا يُحصى من الجزئيات.

      الناقض الأول: الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له, والدليل قوله تعالى (ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء).

      قلنا: الشرك الأكبر هو أعظم الظلم، لذلك ليس له إلا جهنم خالدين فيها أبداً، لا يُرفع عنهم العذاب. والمشركون الذين شهد القرآن بشركهم هم اليهود والنصارى، وكفار قريش عباد الأصنام، والمجوس وعدد من الأمم المندثرة، مثل قوم عاد وثمود ولوط وقوم إبراهيم وتبُّع.

      والإسلام، في المقابل، هو طريق النجاة الوحيد من الشرك الأكبر "ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه"، هكذا بلا فصال.

      ثم إن "الشرك" المنهيّ عنه في القرآن، هو الشرك الأكبر من حيث صيغة الخطاب والسياق، من ناحية، ومن ناحية وصف أهله بأقبح الصفات، فكان على الصورة الغائية منه.

      لكن هناك من الشرك صوراً لا تُخرج بمجردها عن الملة، كما فصلها أهل السنة والجماعة، منها الحلف بغير الله، والاستماع للكاهن، وقتال البغي بين المؤمنين "فقاتلوا لتي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بين أخويكم"، والرياء. وقد قصد الإمام ابن عبد الوهاب هنا ما يشرك به المرء في ناحية الشعائر. لكن المقصود أن لفظ "الشرك" قد يأتي بمعنى الأكبر أو الأصغر، ولا ياتي بمعنى الأصغر إلا في السنة.

      والإسلام، أوالتوحيد، ليس مقابلا للشرك من هذا النظر، إذ الإسلام لا ينفى، بل يشمل الإيمان والإحسان، بينما الشرك الأكبر، الذي هو مضاد للتوحيد ليس له مركبات، بل هو صنف واحد مخرج من الملة. إنما الشرك الأصغر لا ينتمي له إلا اسماً، لتعظيم الجناية.

      الناقض الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة كفر اجماعا.

      وهذا باب من أبواب الشرك بلا شك، وقد سماه الله سبحانه في القرآن واضحا "إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى" , "وقالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله"، "إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب"، وفي الحديث "الدعاء هو العبادة".

      وأشكال الشفاعة أو الوساطة محددة:

      1. أن يتوجه إلى القبر فيدعو صحابه أن يجلب له الخير
      2. أن يتوجه للقبر يدعو صاحبه أن يدعو له الله أن يجلب الله له الخير
      3. أن يتوجه للقبر فيدعو الله عنده أن يجلب له الخير.

      والشكلين الأول والثاني قد نقل الإجماع على كفر فاعلهما كثير من العلماء، ويبقى حكم الاستتابة للمعين، فيعرض عليه الحجة الرسالية أولاً لمظنة العذر بالجهل خاصة مع استشراء هذه البدع في كل بيئة وطبقة، فإن أبي كان له حكم المرتد. وجاء في شرح ذلك قوله تعالى "وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ"النحل.والعلة هنا وصفية، أنهم "أموات"، ثم التأكيد عليها "غير أحياء". ومن هنا كان الطلب من الميت واقع تحت صريح خطاب الآية، سواء كان الكلب منه أو بالوكالة لله سبحانه.

      أما الشكل الثالث، فهو ما اختلف فيه البعض، فاعتبره بعض العلماء مثل النوعين الأوليين، واعتبر الجمهور، وما نأخذ به هنا، إنه بدعة محرمة تفضى إلى الشرك ذريعة ووسيلة. فإن حقيقة ما ارتكب المعين هنا هو نقل مكان الدعاء من أي مكان آخر إلى جوار القبر لإعتقاد طهارته، ظنا منه إنه مثل الدعاء في الكعبة أو مسجد المدينة. وهذه بدعة، كما نقل ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم عدم ورود ذلك عن السلف على وجه الإطلاق، وإنه يراه بدعة محرمة يجب النهي عنها والتغليظ على فاعلها من حيث إنها باب للشرك، قال شيخ الإسلام نصاً "الثاني: أن يتحرى الدعاء عندها، بحيث يستشعر أن الدعاء هناك أجوب منه في غيره، فهذا النوع منهيّ عنه، إما نهي تحريم أو تنزيه، وهو إلى التحريم أقرب، والفرق بين البابين ظاهر"[2]. وهذا النصّ لا يدع مجالاً لمعلق.

      الناقض الثالث: من لم يكفر المشركين او شك في كفرهم او صحح مذهبهم كفر اجماعا.

      وهذا الناقض مجمع عليه في العموم، لكن يجب تفصيله ورده إلى جزئياته للنظر فيها، إذ منه ما هو مسلم به بالضرورة ومنه ما ليس بمسلم ضرورة.

      أما المسلم به بالضرورة، فهو كفر أعيان الطوائف المذكورة في القرآن كاليهود والنصارى والمجوس والملاحدة (من أنكر وجود الله أصلاً). فمن لم يكفر هؤلاء عينا، أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم فقد كفر بالله وخرج عن دينه إجماعاً. كذلك ما قررنا في كفر الشكلين الأوليين في الناقض السابق، مع فارق ثبوت الكفر عينا أصلاً في تلك الطوائف، وثبوتها بعد إقامة الحجة في شكليّ الناقض الأول مع ثبوت أصل كفر العمل ذاته بلا خلاف.

      أما ما يثبت كفراً بالاجتهاد، وما يتعلق بمناطات كفر في الكتاب والسنة، مما يتعلق بعمل، فيثبت فيه الكفر على شرطين: أولهما أن يتفق العلماء المعتبرون أن هذا الفعل كفر ابتداءً، وثانيهما: أن يرتفع الجهل عن فاعله ببلوغ الحجة الرسالية، سواء بانتشار العلم مما لا يدع محلاً للجهل بها، مثل كفر تارك الصلاة جملة، أو من شرّع بغير ما أنزل الله، أو بالبلاغ الفردي العينيّ. وبلوغ الحجة غير فهم الحجة، ففهمها هدى من الله، إنما الشرط هنا بلوغها، كما بيّنا في كتابنا "الجواب المفيد".

      وقد أُسندت هذه الجزئية إلى قاعدة أن "من لم يكفر الكفار فهو كافر"، وقد ذكرنا أنّ هذه القاعدة صحيحة صحة مطلقة في الصنف الأول من الكفر أعلاه، لكنها تحتاج إلى كثير من التفصيل وتحقيق المناط في الصنف الثاني.

      وقد أضاف الحرورية الحازمية مناطاً آخر للكفر هنا، وهو كفر من لم يكفر من لم يكفر المشركين >يسمونه كفر العاذر!). وهو، مرة أخرى تكفير باللوازم، وهي تثبت بعد بلوغ الحجة الرسالية.

      الناقض الرابع: من اعتقد أن غير هدى النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه فهو كافر. وهذا ناقض للإسلام بإجماع، والحكم هنا ليس مرادفاً للممارسة، بل هو مرادف للتشريع المطلق. فقد يكون هناك اضطرار أو إجبار على تنفيذ حكم، أو أحكام، غير شرعية، في حالات معينة[3]، لذلك ارتبط القول هنا بمن "اعتقد". والاعتقاد هو مركب من المعرفة والتصديق. ثم التصديق، إما جازم، على مذهب الأحناف في الإيمان[4]، فهو مستلزم الالتزام بالعمل ضمناً، أو غير جازمٍ، كما عند بقية أهل السنة، فهو مستلزم للإلتزام ونية العمل انفصالاً. والاعتقاد بأن حكم  (تشريع) غير حكم الله، على كلا المفهومين للتصديق، أفضل من حكم الله، فقد كفر بلا شك.
      وصور التشريع بغير ما أنزل الله سبحانه معروفة، أشهرها في عصرنا تبنى المذهب الأيديولوجي العلمانيّ، المرتبط بالتطبيق الديموقراطي في السياسة، والرأسمالي في الاقتصاد والفردي في الاجتماع. وهي كلها تنبع من مشكاة واحدة، رفض وحي السماء، والركون إلى الأرض بما يدل عليه عقل الناظر، أيا كان.

      من هنا قلنا إن الرضا بالحكم (التشريع) بغير ما أنزل الله هو كفر أصليّ أتت به الآيات في صورة عامة غائية. إنما الأمر فيما يدل على هذا الرضا. وإتخاذ وسائل العلمانية سواء في السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع، أو التصريح بالعلمانية مع معرفة أنها فضل الدين عن الدولة، لا شك فيها دلالة على رضى بالكفر. لكن يجب التفريق بين التعبير بلفظ يعبر عن عقيدة مثل العلمانية، ولفظ يحتمل تأويلا مثل الديموقراطية. ففي الأول، لا شط في أن الرضى مصاحب للظاهر لانتشار العلم بمعني الكلمة. أما الثاني، فيستلزم الأمر أن يظهر الرضى بالأصل، وهو تفضيل حكمٍ غير حكم الله على حكم الله، بأن تُبين العلاقة بين الغاية والوسيلة، بين تطبيق "الشكل الديموقراطيّ" وأصل مبدأ أن حكم غير الله أفضل وأصلح، وأن أمر الشعب للشعب، لا لله، والتحقق من أنْ لا ضبابية في مفهوم الأصل، الذي قد يختلط على البعض من الجهال بمبدأ الشورى شكلاً.

      كذلك، في التطبيق الرأسمالي والاجتماعيّ، وهو ما لم تركز عليه كتابات من هاجموا العلمانية الديموقراطية، وكأن السياسة هي جانب الحياة الأوحد في الحياة. فإن المذهب الرأسماليّ قد يشتبه في بعض التفاصيل مع الاقتصاد الإسلاميّ، لكن ليس هنا موضع التوسع في هذا الأمر، كذلك النظرة الإجتماعية قد تتشابه فيما بين العلمانية الإسلام، من حيث، مثلاً، احترام حرية الفرد واختياره، حتى لدينه (لا إكراه في الدين)، لكن تختلف عنه في معنى هذه الحرية وحدودها وتماسها مع حقوق المجتمع ككلّ، حيث تتوارى حقوق المجتمع بصورة كبيرة في النظر العلماني الاجتماعي بجانب حرية الفرد، ولا توجد إلا في أضيق نطاق ممكن.

      الناقض الخامس: من أبغض شيئا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولو لم يعمل به كفر اجماعا. وهذا ينشأ من كراهة أصيلة وأصلية في نفس الكافر لما جاء به الوحي، فتراه يكره ذكر الله "وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين كفروا"، وهذا نتيجة للكره كما بيّن تعالى "ذلك بانهم كرهوا ما انزل الله فاحبط اعمالهم". والبغض أمر باطن لا يمكن أن يعرف إلا إن دلّ عليه دليل من ظاهرٍ، فمن فعل ذلك دون أن يبدو منه أمرٌ ظاهر كان كافراً على الحقيقة، عند الله تعالى، مثل أن يستهين بمواضع الاستشهاد من قول الله ورسوله، أو يرفعها من محل يُحتاج فيها اليه، أو يفعل بفمه أو يشير بيده إشارة تعارف الناس على أنها للتقليل من الشأن. ولا يدخل في ذلك كراهة ما جاء من قول علماء معينين، مثل أن يكره ما قال ابن تيمية أو الشوكانيّ، ولا يقال هو بالنتيجة بغض لقول الله ورسوله، فهذا تكفير باللازم!

      الناقض السادس: من استهزأ بشيء من دين الله أو ثوابه أو عقابه كفر: والاستهزاء يعنى الإهانة والغض من القدر  والتقليل من الشأن والتحقير بحقيقة الوضع اللغوي، فلا استهزاء مع احترام البتة، لا يجتمعا، كما بيّن ابن تيمية في كتابه "الصارم المسلول على شاتم الرسول"، وهو معروف مشاهد في عرف الناس. ودليل ذلك ما جاء في قوله تعالى "ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم". وقد روى ابن عمر أن رجلا من المنافقين قال في غزوة تبوك : ما رأيت مثل هؤلاء القوم أرعب قلوبا ، ولا أكذب ألسنا ، ولا أجبن عند اللقاء. يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، فقال واحد من الصحابة : كذبت ولأنت منافق . ثم ذهب ليخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد القرآن قد سبقه. فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله وكان قد ركب ناقته ، فقال: يا رسول الله ، إنما كنا نلعب ونتحدث بحديث الركب نقطع به الطريق . وكان يقول : إنما كنا نخوض ونلعب ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟ ولا يلتفت إليه وما يزيده عليه" والسبب أن تعظيم الله أساس الإيمان والاستخفاف خلافه على الإطلاق. والنكتة هنا هي في تحديد مناط الاستهزاء، فإن بعض المناطات يختلط بعضها ببعض. ومثال ذلك ما رأينا مؤخراً من استهزاء البعض بطلب تنظيم الحرورية العوادية الجزية من أمريكا! قالوا: تستهزؤون بالجزية، والحق أن الاستهزاء من الطالب لا من الطلب كما هو بيّن.

      والاستهزاء والسب يشمل الله والدين والإسلام، كما يشمل الاستهزاء بخلق الله كالملائكة.

      الناقض السابع: السحر فمن فعله أو رضي به كفر: ودليل كفر الساحر ثابت يقينا، وهو مذهب الأئمة إلا الشافعي فقد اشترط سؤاله عن سحره[5]. قوله تعالى "وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر" قال الحافظ في الفتح: فإن ظاهرها أنهم كفروا بذلك، ولا يكفر بتعليم الشيء إلا وذلك الشيء كفر"، وحدّ الساحر القتل بالسيف كما ورد عن الصحابة. وأما ما جاء في الحديث "من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم" رواه الأربعة وصححه الحاكم، فقد حمله العلماء على الكفر الأصغر، للجمع بينه وبين حديث مسلم "من أتى عرَّافا فسأله عن شئ فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوماً". وهو مما جاءت به السنة مبينة لمجمل القرآن، من حيث أتي القرآن بوصف الكفر الأكبر بالسحر، وفصلت السنة، فإن كان التصديق جازماً بأن الكاهن أو العراف يعلم الغيب فهو كفر أكبر بلا شك، وإلا فهو كفر أصغر، يراد به تهويل المعصية والزجر عنها.

      الناقض الثامن: الولاء والبراء ومظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين: اختلف العلماء في الولاء والبراء هل هو من داخل حد التوحيد ركنا، أم هو من خارجه شرطاً، وفي كلا الحالين هو أمرٌ عظيم اجتمعت الآيات على تكفير فاعله في مناط المظاهرة والمعاونة على قتل المسلمين وحربهم، قال تعالى "ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين"، وقال "والذين كفروا بعضهم أولياء بعض، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير"الأنفال 23. وهو أمر ثابت متكرر متقرر في الشريعة لا خلاف فيه على وجه العموم.

      لكن صور الولاء والبراء، وأعلاها المظاهرة، أي المناصرة الفعلية في حرب، كثيرة متعددة، وهي مثال على ما ذكرنا في أشكال العموم في مقالنا السابق "تأسيس النظر" قلنا "ونضرب مثالاً على انحراف فكر العوادية، ومن يقف وراءهم من مدعى العلم، بما جاء في موالاة أعداء الله، إذ لم يأت ما يحددها، أو كيفيتها أو تقديرها بشكلٍ محدد، إنما جاءت في الشكل الثاني من العموم، بصيغة مطلق النهي "ومن يتولهم منكم فإنه منهم"، فجاء بصيغة "من" الدالة على العموم وعلى الشرط. وما جاء بصيغة شرطيه، فقد جاء في سياق الاثبات لا النفي "ومن يتولهم منكم فإنه منهم" فلا تدل على حصر، إذ رأينا في آية "ومن لم يحكم" أن أمر كونه كافرا لا يحتاج إلى أمرٍ خارج عن المحصور فيه، وهو عدم الحكم، ويثبت بعدم الفعل. فصيغة الآية تدل على الغاية. بينما في آية "ومن يتولهم منكم" تحتاج إلى تعريف خارج عن الآية بما يدل على الكفر. وهو ما يدل على دخول نصها أصلاً تحت الشكل الأول من أشكال العموم النصيّ القرآني، اللذين ذكرناهما. من هذا النظر الاستدلالي، نرى أنّ من يأت بآيات الولاء، يستدل بها على الشكل الغائيّ من أشكال الولاء فقد أبعد النجعة وخرج عن الفهم القرآنيّ، إلا أن يثبت بدليل من الخارج مناط الولاء الذي وصفه، وأنه ولاء مكفر، بغير الآية القرآنية."اهـ

       فتعدد صور الولاء لغير الله هو ما يجعله ولاءً مكفراُ أم معصية (ولاء أصغر إن شئت، يجري بين التحريم والكراهة). وأنقل هنا قول الطاهر ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير، في آية المائدة 51 لأهميته القصوى وغناه عن كثير غيره، قال رحمه الله ما نصّه "مَنْ شرطية تقتضي أن كلّ من يتولاهم يصير واحداً منهم. جعل ولايتهم موجبة كون المتولي منهم، وهذا بظاهره يقتصي دخول في ملتهم (ظاهرا باعتبار المعنى اللغوي)[6]، لأن معنى البعضية هنا لا يستقيم إلا بالكون في دينهم. ولمّا كان المؤمن إذا اعتقد عقيدة الإيمان واتّبع الرسول ولم ينافق كان مسلماً لا محالة (على الحقيقة)، كانت الآية بحاجة إلى التأويل[7]، وقد تأولها المفسرون بأحد تأويلين: إما بحمل الولاية في قوله تعالى }ومن يتولهم{ على الولاية الكاملة (أي الصورة الغائية من الولاية) التي هي الرضى بدينهم والطعن في دين الإسلام، ولذلك قال ابن عطية: ومن تولاهم بمعتقده ودينه فهو منهم في الكفر والخلود في النار... حتى قوله: وقد اتفق أهل السنة على أنّ ما دون الرضى بالكفر وممالاتهم عليه من الولاية لا يوجب الخروج من الربقة الإسلامية، ولكنه ضلال عظيم، وهو ثابت في القوة بحسب قوة الموالاة وباختلاف أحوال المسلمين (وهو ما ذكرنا في بحثنا من أنه ورد بعموم من الشكل الأول المستغرق لدرجاته في النصّ القرآني)"[8]. ونحن هنا لا نربط كفر الموالى المظاهر المناصر في القتال بثبوت عقيدة إيمانية، بل يكفى العمل بذاته دون تأويل، لكنّ اعتبار القرائن من تمام الفقه.

      ثم يسرد ابن عاشور واقعة هامة جداً ننقلها بنصها "وأعظم هذه المراتب القضية التي حدثت في بعض المسلمين من أهل غرناظة، الي سئل عنها فقهاء غرناظة: محمد المواق، محمد ابن الازرق، على ابن دؤواد، .. وجمع كبير عدّهم، عن عصابة من قُواد الأندلس وفرسانهم، لجئوا إلى صاحب قشتالة، بلاد النصارى، بعد كائنة اللّسانة[9]، واستنصروا به على المسلمين واعتصموا بحبل جواره، وسكنوا أرض النصارى ... فهل يحل لأحد من المسلمين مساعدتهم ولأهل مدينة أو حصن أن يؤوهم؟ فأجابوا بأن ركونهم إلى الكفار واستنصارهم بهم قد دخلوا به في وعيد )ومن يتولهم منكم فإنه منهم( فمن أعانهم فقد أعان على معصية الله ورسوله، هذا ما داموا مصرين على فعلهم، فإن تابوا ورجعوا عما هم عليهم الشقاق والخلاف، فالواجب على المسلمين قبولهم"[10].

      وقد اعتبر ابن عاشور أن هذا الذي فعلوه هو أشد صور الولاء بما دون الكفر، قال "فاستدلالهم بهذه الآية في جوابهم يدلّ على أنهم تأولوها على معنى أنه منهم في استحقاق المقت والمذمة، وهذا الذي فعلوه، وأجاب عنه الفقهاء، هو أعظم أنواع الموالاة بعد موالاة الكفر" السابق اهـ فتبين أن الفقهاء يعتقدون تحريم هذه الصورة وإن لم يعتبروا مناطها كفراً أكبر، وسمحوا بقبول توبتهم دون استتابة.

      فالشاهد هنا، هو اعتبار فقهاء غرناطة أن هذا الفعل ليس فعل كفر بذاته، فيه نظر، هو أنّ هذه الصورة بظاهرها دالة على الباطن الكفريّ، إلا إن استدلوا بأن ظاهر اللسان والحال منهم يقول إنهم مسلمون لا يزالون، بعقد اللسان والصلاة وغيرها، فهما ظاهران متعارضان. وهذا رأي وإن كان له وجه إلا إننا لا نقول به، وإن استشهدنا به لبيان إمكان الاختلاف في درجات الولاء ومن ثم التحريم.

      ومن ثم، فإنه يجب على من يتصدى اليوم للنوازل من فقهاء وعلماء، أن يعتبر الصور المختلفة للولاء، من أعلاها كالمظاهرة والمناصرة، وأدناها وهي المخالطة والمعاشرة والملابسة في التجارة والتعليم وغيرها. وقد بيّنا صوراً للولاء في مقالنا "رفع الشبهات عو موضوع الولاء والبراء"[11] فليرجع القارئ له.

      الناقض التاسع: من اعتقد ان بعض الناس لا يجب عليه اتباعه صلى الله عليه وسلم وإنه يسعه الخروج من شريعته كما وسع الخضر الخروج من شريعة موسى عليهما السلام فهو كافر.

      وهذه العقيدة تنشأ عادة بين المتصوفة، والرافضة، فهم يرون أن أوليائهم وأمتهم الظاهرين والمسردبين أعلى قدراً من الأنبياء، وهذا كفر محض بلا شك عند من اعتقده.ولا يسع أحد أن يخرج عن شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتداءً ولا بمثقال ذرة واحدة[12]، فقد قال تعالى "وخاتم النبيين"، كما قال "إن الدين عند الله الإسلام" والدين هنا هو مجموع ما فيه من الشرائع والشعائر. ومن بدع عوادية هذا الزمان أن قال أحد خطبائهم على المنبر"لو أن محمدا صلى الله عليه وسلم بُعث حيا ما وسعه إلا أن يتبع الدولة"! وهذا كفر بواح لا شك فيه.

      الناقض العاشر: الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به: وكفر الإعراض هو أحد أشكال الكفر الأربعة التي تحدث عنها العلماء، كفر التكذيب، وكفر الجهل، وكفر العناد والاستكبار، وكفر الإعراض. ومن أشهرها اليوم صورة كفر الإعراض، حيث ينأي المرء، الذي تحدث بكلمة التوحيد، بنفسه عن أي عمل واجب أو مندوب، بلا ولا يلتفت ولا يلقى بالا لقراءة قرآن يتلى، أو حديث يهم شؤون المسلمين، فهو مُعرض إعراضا تاما عن أمر الله والدين، قال تعالى "ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم اعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون "، وهذا بلا شك عمل لا يدع مجالاً ليكون في قلب هذا المرء إسلام بله إيمان. وهو كفر محض، متصل بموضوع "كفر تارك جنس العمل"، وقد بينته بتفصيلٍ في كتابي حقيقة الإيمان فارجع اليه.

      والنكتة هنا هي تشخيص الإعراض، فإن وصف أحد الناس للآخر بأنه معرض ذلك اللون من الإعراض، أمر يستدعى القرب منه بشكل دائم، والاتصال به في مناسبات كثيرة، ليُعلم حقيقة إعراضه، فإن تصوراتنا قد لا تطابق الحقيقة في جزئية واقعية أو أكثر، فيجب الحذر في تطبيق هذا الأمر.

      تلك كانت خواطر سريعة عن النواقض العشرة التي دونها شيخ الإسلام محمد ابن عبد الوهاب، بعلم وحق. لكنها، في صورتها العامة، وما نراه اليوم من شدة جهل وانحراف الخلق المدعين للدين، أداة خطيرة أوقعت المسلمين في براثن الغلو والحرورية، حيث أتبع أصحاب الجهل والتغفيل جمع من أصحاب الكلام دون تأهيل.

      والله الموفق والهادي إلى السبيل

      د طارق عبد الحليم

      30 أكتوبر 2015 – 17 محرم 1437


      [1]  http://tariq-abdelhaleem.net/new/Artical-72923  

      [2]  "افتضاء الصراط المستقيم" ابن تيمية، طبعة مكتبة الرياض الحديثة ص 337، وهذه طبعة قديمة اقتنيتها في المدينة المنورة في 8 شعبان 1397، حيث كنت أعمل مديرا لأحد المشروعات هناك.

      [3] ليس منها حالة حكام العرب الطواغيت الذين يفرضون الأحكام الوضعية بلا إجبار ولا اضطرار، بل استحسانا وتفضيلا.

      [4]  راجع كتابنا "حقيقة الإيمان" في باب "الاعتقاد"، ففيه شرح وافٍ لهذه النقطة الإشكالية.

      [5]  فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" ص 280 وبعدها، طبعة دار إحياء التراث 1957.

      [6]  ما بين القوسين () إضافة من الكاتب للتبيين.

      [7]  والتأويل هنا قد يعني "التفسير" كما هو دارج، أو المعنى الأصولي المتأخر، بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره لقرينة، وهي هنا ثبوت إسلام المرء أصلاً.

      [8]  التحرير والتنوير ج 5 ص130، طبعة مؤسسة التاريخ.

      [9]  وهي قلعة بغرناطة، وهو يتحدث هنا عن الحرب بين أبي عبد الله الريشيكو وبين والده، حيث بايع أهل غرناطة أبي عبد الله، ثم اعتقله النصاري خارج قلعة اللّسانة، فوقع معهم عام 890 هـ معاهدة يدفع لهم بها الجزية ويعينهم على قتال عمه الزغل، والسيطرة على أرض المسلمين في الأندلس. راجع ابن الخطيب. وقد تكررت هذه الأحداث في الأندلس قبلها أيام ابن الأحمر 634هـ حيث صانع كذلك ملك قشتالة وأعانه على المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

      [10]  السابق ص 131

      [11]  http://tariqabdelhaleem.net/new/Artical-72572 & http://tariqabdelhaleem.net/new/Artical-72573

      [12]  وحديث " لو كان موسى حيا بين ظهرانينا ما حل له إلا أن يتبعنى" في كل رواياته نظر