فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      أهل الأهواء والبدع في عصرنا الحاضر

      بحث في الفرق المعاصرة وأثرها على الساحة الإسلامية

      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه وبعد

      (1)  مقدمة

      اهتم علماء سلفنا الصالح أيما أهتمام بموضوع البدعة وأهلها، من حيث اعتبروها باب عظيم من أبواب تهديد العقيدة السليمة والانحراف بالدين وتزييف معانيه، من خلال التستر بآياته ونصوصه. وقد أطلقوا علي أهل البدع تعبير "أهل الأهواء والبدع" ذلك أن البدعة يسيّرها الهوى بلا بد، والهوى ما ذُكر إلا بذمٍ.

      وقد دُوِّنت كتب كثيرة في تصنيف أهل البدع، وتسميتهم، وشرح عقائدهم المنحرفة، والتعريف برؤوسهم وكبرائهم، وتمييز الفروق بين فرقهم المختلفة، كما في الفصل لابن حزم، والفرق بين الفرق للبغدادي، والفرق بين الفرق للشهرستاني. ذلك خلاف المئات من الكتب التي دُوِنت في فضح فرق بذاتها، مثل "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة" لابن القيم، و"منهاج السنة النبوية" لابن تيمية في الرد على الرافضة، و"العواصم من القواصم" لأبي بكر ابن العربي في فضح الروافض، وغيرهم كثير. كما كتب المحدثون كتباً في هذا الباب، في شرح فرق الأمس، وإن لم يكن اعتناؤهم بقرق اليوم كاعتناء الأوائل، لكن كتب فيها القليل، أذكر منها "موقف العقل والعلم والعلم من رب العالمين وعباده المرسلين" للشيخ مصطفي صبري[1]، وهو من أحسن من كشف عوار الكثير من أصحاب البدع المنتشرة في مصر في أيامه، وإن كانت له هنات. وما تركنا أكثر مما ذكرنا بكثير.

      ولكن هذا الأمر، كما نرى، وهو فضح الفرق البدعية في وقتنا الحاضر، تحت أيّ اسم كان، لم يأخذ حقه ولو قليلاً، من اهتمام الباحثين. ولعل من أسباب ذلك خفاء تلك البدع القديمة الحديثة، ثم المكانة التي فيها أكثر مروجيها، مما شلّ أيدي البعض عن التعرض لهم. وكان هذا ما دفعنا إلى الكتابة في الفرق خاصة مثل كتاب "مقدمة في أسباب اختلاف المسلمين وتفرقهم" وكتاب "المعتزلة بين القديم والحديث"، ثم "فتنة أدعياء السلفية وانحرافاتهم"، ثم فصول في كتابنا "حقيقة الإيمان" خصصناها للخوارج والمرجئة، كذلك بعض مقالات وأبحاث نقدية جاءت كردود على أصحاب فكر بدعي كمحمد عمارة والريسوني والبشير ومحمد عابد الجابري وطه جابر علوان وكثير غيرهم على مرّ أربعة عقود.

      وقد كتبت في مقدمة كتاب المعتزلة كلمة أود أن أعيدها هنا وهي:

      "قد يظن البعض أن الحديث عن فرقة بادت - أو كادت - ترف عقلي ،أو رياضة فكرية ، تنبئ عن ملء حيز من الفراغ في الوقت و الفكر جميعا، و قد يذهب هذا البعضمذهبا أكثر ايغالا في العجب من أولئك الذين يجهدون أنفسهم في نشر أفكار قد درست ، و صحائف قد طويت ، و سير قد انقضت ، خاصة و الأمر يتعلق بأفكار هي في الأصح الأغلب دخيلة على الاسلام ، مفتاتة على منهجه ،هدامة لأصوله ثم لفروعه!

      إن إعادة الحديث عن مذاهب مضت ، و بيان مافيها من بطلان و إظهار عوارها هو منهج مستمد من كتاب الله تعالى، فلقد قص علينا القرآن الكريم نبأ قوم لوط وقوم صالح وقوم هود، و ماكان من خساسة بني إسرائيل على مر التاريخ، مقارعا لهم الحجة بالحجة مفندا أباطيلهم بعد ذكرها كما قالوها دون حذف أو تبديل، فالحكم في هذا الصدد هو الغاية التي يهدف إليها من وراء البيان، إن كانت للاعتبار من أحداثها والحذر من أفكارها، فإن في ذلك الفضل كل الفضل، أما إن كانت الأخرى، فهو الفساد وإشاعة الفاحشة لهدم العقول وإماتة القلوب .

      هذه واحدة، والأخرى: أن الأفكار لا تموت إلى الروح منه أصحابها. فالفكر نتاج عقلي إنساني أقرب في مادته إلى الروح منه إلى الجسد، و حياته أطول أمدا إلى الروح منه إلى الجسد، و حياته أطول أمدا من حياة أصحابه، و بقاؤه مرهون بقوة إشعاعه - حقا كان أو باطلا - ثم هو كالجرثومة التي تنتقل عدواها فتصيب الناس بمثل ما أصابت به صاحبها. تلك هي طبيعة الفكر ونتاج العقل ، فلابد من استيعاب تلك الخصيصة التي ثبتت بالاستقراء من خلال تاريخ الفكر الإنساني عامة.

       ثم ثالثة .. وهي إنك إذا تأملت ماتحصل للبشر من افكار على امتداد الزمان و المكان، فانك واجد تشابه كبيرا فيما بينها و ستعجب من ذلك التشابه، و كأنه مستمد بعضه من بعض."[2]

      ومن هنا تظهر أهمية تدوين ما يمكن في بيان وفضح تلك الفرق، بمسمياتها الجديدة، وتعيين رؤوسها بالاسم دون تردد، لغرضين هامين، أولهما أن يحذر من شاء الله له النجاة، وثانيهما أن تبقى تأريخاً نتركه للأجيال القادمة كما ترك لنا السلف عملهم الصالح نستهدى به. ثم غرض ثالث هو محاولة تقريب تلك المعارف العقدية والسياسية للقارئ العادي من حيث قد زجّت به الأحداث ووسائل الاتصال الحديثة في سماع أقوال ومصطلحات لا يعلم عنها أصلاً.

      ومن المفيد أن نذكّر هنا أنّ البدع الكبرى التي وجدت على مرّ التاريخ الإسلاميّ، وهي خمسة مجمعٌ عليها، واثنتان مختلف عليهما، لا يزالوا هم أمهات الفرق العاملة على الساحة اليوم، دون نقص أو زيادة. أما المُجمع عليها فهي  الرافضة والمرجئة والخوارج والمعتزلة والجهمية. أما المختلف فيها فهم الأشاعرة والصوفية. والصوفية فرقة بدعية لا شك في ذلك، لكن لم يذكرها أصحاب مؤرخي الفرق بمختلف طوائفها، إلا الخارجين من الملة منهم، كالحلولية والاتحادية. أمّا الأشاعرة، فهناك جدل واسع حول كونهم فرقة أصلاً، وهو جدل لم ينشأ إلا عند المحدثين، ولم يكن له اعتبار كبير عند السلف، وإن ناقشوهم في مخالفاتهم العقدية في مسائل الصفات والأسباب والقضاء والقدر. وقد اعتبرهم بعض المحدثين من أهل البدع بلا تردد، كالشيخ سفر الحوالي.

      (2) الفرق البدعية

      وسأحاول في هذا المقال أن أضع خريطة لتلك الفرق البدعية التي تنتمي للإسلام اليوم، بغض النظر عن الصوفية والأشاعرة، من حيث أن خلافهم عقدي لا يتجاوز ذلك. وسأسمي تلك الفرق بأسمائها المحدثة، مع نسبتها إلى الفرقة الأم التي تنتمي اليها.

      وقبل أن أشرع في ذلك أوجه النظر إلى ما سبق أن قررته في كتاب "مقدمة في أسباب اختلاف المسلمين وتفرقهم"، من حيث أنّ نشاة الفرق قد تكون عقدية ثم تتحول إلى سياسية كالمعتزلة، أو تبدأ سياسية كالخوارج ثم تكون آراء عقدية تساند بها مواقفها السياسية.

      • الروافض والنصيرية: أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي، مجوس هذه الأمة. وهم فرق عديدة أحصاها علماء الفرق، أكبرهم الإثني عشرية ومركزهم إيران، ومنهم الزيدية في عمان واليمن، وحديثا الحوثية في اليمن. وغالب رؤوس الإثني عشرية وعلمائها وقعوا في الكفر بطريق أو بآخر، مثل ادعائهم أنّ سورة يوسف ليست من القرآن، أو تحريف القرآن بالكلية، أمّا عوامهم فلم يكفرهم أكابر علماء أهل السنة والجماعة. ثم منهم فرق خرجت عن الإسلام بالكلية مثل النصيرية والاسماعيلية وغيرهما، وهي فرق باطنية كافرة. وتقول النصيرية بألوهية عليّ وبطبيعته الإلهية والناسوتية، كما عند النصارى، ولهم طقوس وعبادات لا دخل لها بعبادات المسلمين.

      ويرجع تاريخ النصيرية في الشام إلى القرن الثالث الهجري، وكانت لهم علاقة وطيدة بالاحتلال الفرنسيّ، الذي أعانهم على تقوية مراكزهم في الساحة الشامية حتى سيطر النصيرية العلوية على الحكم في سوريا منذ عام 1966 بانتصار حزب البعث، ثم تنصيب الهالك حافظ الأسد عام 71، ومن بعده الهالك المجرم ابنه بشار عام 2000.

      • الإخوان المسلمون: فرقة تنتمى للفكر الإرجائي، بل أوغلت فيه أكثر من المرجئة التقليديين. فقد قالت المرجئة الأُول بأن المعصية لا تضر مع الإيمان، وجعلوا الإيمان تصديق القلب، لكنهم لم يتعدوا حدود المعصية في هذا الباب، ولم يحملوه إلى جناب التوحيد. ومرجئة الإخوان يطلقون القول بأن الحاكم بغير ما أنزل الله، تشريعاً أو تطبيقا، ليس بكافر، من حيث يعتبرون التشريع بغير ما أنزل الله معصية إلا إن اقترنت بالتكذيب بأصل الحكم الشرعيّ، كأن يقال سأشرع عقوبة جديدة للزنا، أطبقها وأجبر عليها الناس، ولكني لا أنكر أن الله قد أنزل عقوبتي الجلد والرجم. وهذا فعل كفرٌ بإجماع علماء السنة والجماعة. ومصدرهذا الخلط اعتقاد أنّ الأصل في الإيمان التصديق، فلا يكون الكفر إلا بالتكذيب[3]. وقد أخفقوا، وأخفق معهم عدد ممن انتسب للسنة، في التفريق بين القيام على تطبيق أحكام وضعية، وهو وضع الحاكم في إنه قائم عليها، وبين تشريعها ابتداءً. فالأول فيه مناطات تقع بين الكفر والمعصية ورفع الجناح أو العفو حسب الحالة، والثاني لا مناط فيه إلا الكفر الأكبر الناقل عن الملة.

      وقد دخلت الإخوان السياسة من أول أيامها، على يد منشئ الجماعة الشيخ حسن البنا رحمه الله، الذي لم يكن على عقيدة المتأخرين من الإخوان، مع هنات في أساس بناء الجماعة تعرضنا له في أبحاث أخرى[4].

      ومن أهم ما يميّز هذه الجماعة الإرجائية هو قبولها للكثير من التطبيقات العلمانية، بتأويلات مختلفة، من حيث اعتبروا أن لا كفر يمكن أن يقع إلا بتكذيب معلن، وأن التشريع المطلق ليس كفراً بالله وطعنا في مطلق الطاعة، فأباحوا الحياة البرلمانية التشريعية الوضعية وكلّ الوسائل الديموقراطية وتوابعها.

      وكان من أهم تطورات هذا الفكر، بعد مرحلة التأسيس، ومرحلة جيل الوسط، هو ظهور الجيل الثالث الذي أنكر الجهاد كلية، وأسقطه رأساً، حتى بلغ الأمر بمرشدهم محمد بديع أن يطلق ذلك الشعار النكد أن سلميته أقوى من الرصاص، فانتهى به الأمر في سجن العقرب بحكمين إعدام و100 عام من السجن! ومن هذا الجيل عصام العريان وسعد الكتاتني.

      • السرورية: وهي فرقة تندرج تحت فرقة الإرجاء، تشعبت عن الإخوان، أسسها الشيخ محمد سرور، سوريّ انشق عن الإخوان، خلط فيها بين فكر سيد قطب، الذي كان سائداً بين الشباب الإسلامي عامة، وبين المسلمات الإخوانية ومواقفها من الحكام، بكل أنواعهم، فلم يتخلص من الميراث الإخواني، وإن أضاف له نكهة قطبية جذبت كثيرا من شباب جزيرة العرب المتأثرين بفكر محمد ابن عبد الوهاب. وقد كان من أهم ما ورثه محمد سرور، وأورثه لأتباعه هو كراهة الجهاد، ومعاداة الحركة الجهادية، على الأقل في عصرنا الحاضر[5]. زأتباع السرورية منتشرون في مناصب أكاديمية ودعوية في الجزيرة والخليج.
      • العوّادية الحرورية: أحفاد حرقوص ابن زهير ذي الخويصرة. وهي فرقة خارجية تنتسب إلى رأسها المُعلن إبراهيم ابن عواد المعروف بأبي بكر البغدادي، من سامراء العراق. وقد ظهرت بدعته في العراق أولاً، بعد احتياله للإستيلاء على منصب أبو عمر البغدادي في تنظيم الدولة العراقية التابع للقاعدة، ثم صارت بدعته واضحة جلية في الشام إبان الثورة السورية، بعد انشقاقه عن القاعدة وشقه الصف الجهادي في الشام، وتبنيه لفكر عمر الحازمي السعودي التكفيري، ثم قتله للمجاهدين، ثم إعلانه الخلافة الموهومة، ثم إعلانه تكفير كلّ من خرج عليها في كافة أنحاء العالم. وعقيدتهم هي عقيدة الخوارج بتكفير المسلم بما ليس مكفراً بيقين، ثم قتله ردة. ولهم أراء فقهية شاذة، يخرج بها مجاهيل ينتمون إليهم، ينشرونها، مثل رمي كافة نساء المسلمين في أنحاء العالم بالزنا والمعاشرة الحرام لأزواجهن الكفار، إن لم يهاجرن إلى خلافتهم الموهومة! ومنها تحريض القصّر من البنات والنساء عامة إلى هجر بيوتهن والهجرة إلى مجاهديهم دون ظلاق أو رضى ولي أو استصحاب محرم!

      وقد استعان البغدادي بكثير من قيادات البعث الصداميّ، لخبرتهم السياسية والعسكرية، ولضعف قدرته الخاصة علميا وسياسيا وعسكرياً. كما لم يهتم بجذب أيّ من علماء السنة من حيث لم يؤيده أحد بطبيعة الحال، واصطف معه كلّ متردية ونطيحة في العلم، مثل تركي البنعلي المبايع له، وبعض من لم يعلنوا المبايعة للجماعة علنا، من مجاهيل الخلق كالحايك الأردني والجازولي السوداني، والطرهوني المصريّ، وغيرهم من الشخصيات التي ليس لها ثقل في الدعوة أو سابقة في العلم والجهاد. وهذا من سمات الخوارج، ألّا يكون لهم علماء اصلاً، بل يقوم مذهبهم على إسقاط العلماء بحق، ليمكنهم السيطرة على عقول مغفلي العوام.

      وقد استولى البغدادي على مساحات من الأرض في الشام والعراق، واستولى على نفطها، وهو اليوم محصور في تلك الأرض، يرتبط وجوده بالمصلحة الأمريكية التي تريد إعادة تقسيم العراق والشام، واتخذت من هذا المبتدع خازوقا يؤسس كيانا في قلب المنطقة العراقية الشامية، كالكيان الصهيوني القائم في قلب العالم الإسلاميّ.

      وقد اختلفت أراء العلماء في الحرورية عموماً، وفي العوادية خصوصا، بين القول بتبديعهم كما قال جمهور السلف عن الخوارج الأول، أو بكفرهم كما قال البخاري وعدد كبير من علماء السلف، وهذا الأخير هو الرأي الذي نميل اليه في طائفة العوادية. بينما شذّ شيخ أو اثنين على الأكثر من منتسبي مشايخ السنة، في عدم القول بحرورية هؤلاء، وهو رأي شاذ لا اعتبار به، حيث لم يقدّم عليه أصحابه دليلاً أصلاً، إلا محض الرأي.

      • أصحاب الفكر التجديدي الاعتزاليّ: وهؤلاء ينتمون إلى المدرسة "العقلانية" الاعتزالية التي تؤمن بتحديث المقاصد والوسائل، وترتفع بسقف التشريع إلى المبادئ العليا المتفق عليها بين بني آدم بعامة، وما تحتها من تشريعات كلها قابلة للتجديد والاستدراك، بغطاء المصلحة، وكأن الشرع جاء بغير المصلحة، فلما ظهر عدم جدواه ألغى نفسه، وأوكل مهمة التجديد لبعض العقول المتغربة لترسم التشريعات التجديدية المناسبة للعصر. وهؤلاء تعرفهم في مسميات تنظيماتهم وشعاراتهم، فهي دائما تحمل كلمة :التجديد"، أو "الوسطية"، أو "الحداثة"، أو :المعاصرة" أو مثل ذلك. وهم يحترمون المعتزلة القدامي في آرائهم العقدية في الأسماء والصفات والقدر والتحسين والتقبيح، ويجندونها كلها لتبديل المنظومة السنية بذلك الفكر المختلط الجامع بين العلمانية الحديثة والبدعة القديمة. وتجد غالب هؤلاء من النافرين من كتابات ابن تيمية ومعادين لمحمد ابن عبد الوهاب وسيد قطب والمودودي، مقاييس لا يتعدوها، يرمونهم بالجمود والتقليدية أو الخروج والتشدد، حسب موقف المتحدث وولاءه للنظام الحاكم. ومن هؤلاء من ذكرنا قبلاً كطه حسين وأحمد لطفي السيد وسعد زغلول ومحمد عبده، ومحمد عابد الجابري وزكي نجيب محمود وطه جابر علواني ومحمد عمارة ومحمد المسعري ومحمد سليم العوا، وهو أفسدهم اليوم.
      • الغنوشية: وهي فرقة تنتسب إلى راشد الغنوشي التونسيّ، زعيم حزب النهضة. وهي حركة إرجائية تحمل الكثير من بذور العلمانية وتستقى معظم أفكارها من الإخوان، مع غلو في الإرجاء خرج بهم إلى الردة في كثير من فتاويهم. وهم، كالإخوان، يؤمنون بالديموقراطية الغربية المطلقة، ويدينون الجهاد، ولو دفعا للصائل، إذ بمفهومهم عن منظومة الحكم الإسلاميّ، لا صائل هناك، بل الحاكم هو صندوق الاقتراع ولو جاء بالكفر البواح.
      • المدخلية الجامية: وهم أدعياء السلفية، من غلاة المرجئة، ومن عُبّاد ولاة الأمر، حتى لو وُليّ عليهم نصراني! هكذا قالوا عن برايمر المبعوث الأمريكي في العراق إنه وليّ أمر تجب له الطاعة. ورأسهم محمد أمين الجامي ومن بعده ربيع المدخليّ أستاذ حديث بالسعودية، فضحه أكابر العلماء مثل العلامة بكر أبو زيد رحمه الله وغيره. وهؤلاء منتشرون خاصة في جزيرة العرب، حيث أعانت حكومة بلادهم على دعمهم إبان حرب الخليج الأولى منذ عام 1990. ثم انتشروا في بلاد المسلمين، وظهرت منهم فرق أشدّ منهم بدعة، خرجوا إلى الكفر البواح. وهم يعتبرون ولاة الأمر واجبي الطاعة مهما فعلوا، وأن نقدهم ولو بالكلمة كبيرة من الكبائر، ومن ثم  يبيحون، بل يوجبون التجسس والإبلاغ عمن له نشاط إسلامي جماعيّ خارج إطار الأكاديمية التي يرعونها. فولاؤهم للحاكم مقدّم على ولائهم لكتاب الله وأحكامه.
      • البرهامية: وهي فرقة مدخلية إرجائية أصلاً، انتسبت للدعوة السلفية زمنا وكان من أعضائها ردحا إسماعيل المقدم، ثم خرجت عن دين الإسلام بالولاء المكفر لمرتدي انقلاب مصر.  تنتسب في تسميتها لياسر برهاميّ، مصري، طالب علم حديث، اشتغل مع المخابرات المصرية منذ أيام الجامعة، وأعان الأمن أيام مبارك، ثم فضحه الله أيام المرتد السيسي. وقف إلى جانب نظام السيسي في كافة ما فعل وارتكب، وبرّر المجازر واغتصاب الحرائر بزعم إنهم "إخوان مسلمون"! عملوا سياسيا تحت غطاء حزب النور (الذي يطلق عليه المسلمون حزب الزور)، رغم رفضهم السابق للعمل من خلال المؤسسات البرلمانية العلمانية. وهم يدينون بالولاء المكفّر للسيسي بلا تحفظ  ويتبعهم عدد من مغفلي شباب مصر من أصحاب اللحى. وله معاونون في قيادة هذه الجماعة المرتدة مثل يونس مخيون ونادر بكّار.

       

      (3) أثر الفرق البدعية على الدعوة والجهاد في سبيل إعادة دولة الإسلام:

      والمشكلة التي يعاني منها الواقع الإسلامي على الأرض، ضمن عشرات المشاكل الأخرى، تكمن في أثر تلك الفرق على تشكيل الساحة الجهادية، التي نشأت وليدة "الثورات العربية"، والتي هي اليوم الأمل في أحداث تغيير حقيقي في مكان ما على سطح الأرض، في الحيز المكانيّ للوجود المسلم تاريخياً.

      وأثر الفرقة يعتمد على عقيدتها الأساسية وآرائها السياسية، كما يتعدى إلى ثلاثة جهات، الأولى العوام والدهماء، والثانية الجهات الرسمية التابعة للنظم غير الإسلامية، والثالثة الساحة الجهادية.

      ولكلّ فرقة من الفرق السابقة أثر على تلك الجهات الثلاثة، يختلف قوة وضعهاً حسب عوامل تتعلق بأقوالها تارة، وبالجهة المتأثرة تارة أخرى.

      وأثر المجوس الإثني عشرية كان واضحا بعد ثورة الخميني وصراعهم لنشر مذهبهم وإعادة الامبراطورية الصفوية للحياة. وهو ما رأينا أثره على الساحة السنية منذ أكثر من ثلاثة عقود.

      أما أثر البرهامية والمدخلية، فهو محدود بإفساد عقول جهلة "السلفيين" عامة، ومن مواطنى الخليج والجزيرة خاصة، ويعين حكوماتهم على توطيد دعائمها.

      أما أتباع التجديد والعقلانية، فأثرهم محدود كذلك في توجيه الإدارات الرسمية الحكومية كالإعلام والثقافة، لنشر أفكار التحرر المطلق من الإسلام "التقليدي"، ورفض "التقليد"، واتباع كلّ ما يَجِدّ على الساحة الغربية، من باب "المصلحة".

      لكن الأهم اليوم هو تأثير الحرورية العوادية الذي تعدى إلى شقّ الصف الجهاديّ، واستشهاد الكثير من رؤوس الجهاد ضد الطغاة الطواغيت من حكام العرب.

      أمّا أثر الإخوان، ومثلهم السرورية، فقد ساهموا في إخراج جيل مضطرب العقيدة، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. ثم انتهى بهم الأمر إلى تدمير الثورة المصرية وخسارة الفرصة التي آتاهم الله دون عمل منهم. والقصة معروفة مدونة بتفاصيلها في مجموعة كتب الثورة، على موقعنا وفي مكتبتنا الالكترونية[6].

      إلا أن الأخطر في أثر الإخوان والسرورية هو على الساحة الجهادية. وعلى فكر عدد من الفصائل خاصة في الشام. يأتي هذا الأثر على شكلين، الشكل الأول هو الاختراق المباشر من شخصيات قيادية في الجماعة الإخوانية أو السرورية، والتي تتبني الفرقة البدعية، والشكل الثاني هو أثر الفكر البدعي المأخوذ من كتاباتهم وإصداراتهم وحواراتهم على الصف الأول والثاني في التنظيمات الجهادية الحالية. وقد ظهر أثر الشكلين في الساحة الشامية على تصرفات فصائل ذات وجود قوي نسبياً على الأرض. ثم، شكلٌ ثالث، كان له أثر غير مباشرٍ على بعض كوادر العمل الجهادي، من المخلصين العاملين، الذين اتفقت صور اجتهاداتهم مع بعض صور اجتهادات الإخوان والسرورية البدعية، دون أن يكون لهم صلة شخصية أو تنظيمية بتلك الجماعات. وقصة تحقيق تلك العلاقات المتشابكة محلها مقال آخر بإذن الله.

      لكن يجب التفريق بين تلك الدرجات الثلاثة من الأثر، خاصة الصنف الثالث الذي لا ينتمى حقيقة لإخوان أو سرورية، وإن اتفق معهم في نتائج ووسائل قد لا تتفق والمصلحة من ناحية والمنظور الشرعي من ناحية أخرى، عند غالب من له قولٌ معتبرٌ في الساحة اليوم. ومحاولة التقريب ما أمكن لتقليل خطر إنشقاق الصف السنيّ، أو ما يقارب السنيّ، بعد كارثة العوادية، هو الأولى بالعناية والتبني في هذا الصدد.

      د طارق عبد الحليم

      3 سبتمبر 2015 – 20 ذي القعدة 1436

      [1]  شيخ الاسلام للدولة العثمانية سابقا، ثم نزيل مصر بعد زوالها. وكتابه مطبوع في أربعة مجلدات.

      [2]  "المعتزلة بين القديم والحديث" ص5،6. http://tariqabdelhaleem.net/new/Artical-6

      [3]  قد وضعنا كتاب "فتح المنان في بيان حقيقة الإيمان" 1979، رددنا فيه بعون الله على كافة حججهم المنشورة في دستورهم العقديّ "دعاة لا قضاة".

      [4]  من أراد التوسع في هذا الأمر فليعد إلى بحثنا "الإخوان المسلمون في نصف قرن" http://tariqabdelhaleem.net/new/Artical-121 كذلك ما جاء في مبحث "بعد أن انقشع الغبار – ج3" http://tariqabdelhaleem.net/new/Artical-70240

       [5]  راجع ما كتبنا عن السرورية في مقالنا "السرورية في الميزان" http://tariqabdelhaleem.net/new/Artical-72524

      [6]  مجموعة كتب الثورة http://tariqabdelhaleem.net/new/ArticalList-132 & http://tariqabdelhaleemlaibrary.comoj.com/bookk.php