فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      الحُكم الإسلاميّ .. بين التَمهيد والتمكين

      • التمكين
      • 1485 قراءة
      • 0 تعليق
      • 23:49 - 08 ديسمبر, 2011

      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

      الحكم بشريعة الإسلام هو غاية كلّ مسلم موحدٍ، على مَذهب أهل السنة والجماعة خاصة، إذ هو مُركّب التوحيد، ومقتضى الرسالات، ومنتهى دعوة الأنبياء، به نزلت الكتب، واليه أرشدت، فيما يخص حياة المجتمعات وخصوصيتها التشريعية، وإعانة للفرد على إقامة دين الله في نفسه وأهله. فمن دون مجتمعٍ يهيؤ الفرصة للطاعة، ويعين عليها، تصبح طاعة الله مما لا يقدر عليه المكلف في ذات نفسه، وتضيع الحقوق، وينتشر الفساد، وتنهار أسس العدل، ونرى ما نراه في مصر اليوم.

      لكن الجَدلية التي تعنّ للناظر هي، هل إقامة الحكم الإسلاميّ سابقٌ على تربية الفرد المسلم، أم إنها لاحقة له؟ وهو سؤال العصر، الذي بالإجابة عليه تتضح المطلوبات، وتتشكل المَسالك، وتتحدد الوسائل.

      هناك فرضياتٌ يجب أن يعتبرها الباحث في هذا الأمر، ويستقر على تصورٍ منها يبنى عليه ما يرى من مطلوبات ومسالك ووسائل، منها

      • هل نعيش في مجتمعٍ كافر إبتداءاً، فيجب أن نبدأ بنشر التوحيد فيه أصالة؟
      • أم نعيش في مجتمعٍ جاهليّ، يشيع فيه الفساد، وتنتشر المعاصى، ويعم الجهل، وإن ثبت للناس الإسلام أصالة، فننشر التوحيد تذكيرا وإيضاحاً؟.
      • ثم هل حكم المجتمع يسرى على أفراده، أم يسرى على العقد الإجتماعيّ الذي إما يتراضون به، أو يُفرض عليهم؟

      لا شك أن الفرضية الأولى تحظى بتأييد عدد من الإتجاهات بين الشباب، إلا إنها فرضية تخالف الدليل الشرعيّ، أصلاً وواقعاً. إنما أمر الناس أقرب إلى الفرضية الثانية في غالب أمرهم، وإن وصلت الأمور في بعض الجوانب إلى حدّ الكفر والإستحلال، إنما لا يَكفُر بها العَامة، لأن غالبها مما يجب فيه العلم، ويُعذر فيه بالجهل، لإختلاط أقوال شيوخ العصر فيها كموضوع تعاطى الربا في البنوك، أو الإختلاط أوغير ذلك.

      أما بالنسبة للنقطة الثالثة، فإن العقد الإجتماعي الذي يسمونه الدستور، قد وُضِعت فيه تلك المَادة الثانية لتحميه من أن يكون كفراً ظاهراً محضاً، استغفالاً للناس، ثم جاء التطبيق يحمل كلّ معالم الكفر والردة بعد ذلك. ولكن الشرع لا يبيح أن نسحب حكم المجتمع على الأفراد، لأن الفرد مسؤولٌ عن عقيدته، خاصة وهو عقدٌ مفروضٌ، وإن تم التصويت عليه مجدداً، فسيكون مُشَوّشاً على حقيقته بالمادة الثانية كرة أخرى.

      إذا نخلص إلى حقيقة أننا نعيش في مجتمعٍ يدين غالبيته بالإسلام، لكنه جاهليّ يشيع فيه الفسق والفساد، ويرتكز على عقدٍ إجتماعيّ كافرٍ حقيقة، وإن اختُلف فيه ظاهراً، ويجب فيه نشر التوحيد إيضاحاً وتذكيراً.

      ثم إن الدعوة الإسلامية، بعد سقوط الخلافة، لازالت قائمة منذ بداية الإخوان في نهاية العشرينيات من القرن السابق، وبعدها في عدد من الجمعيات، كالجمعية الشرعية وأنصار السنة المحمدية، ثم ما خرج من جماعات انتقضت على الإخوان على مرّ السنين، لرفض مناهجها وأساليبها، مما يصعب حصره. ولاشك أن هذه الجماعات كلها قد كان لها أثرٌ في شرح الإسلام للعامة، ونشر بعض الوعي، مما حفظ على غالب الأفراد حسّهم الدينيّ، وإن أفلت الكثير من هذا الخير، كما ظهر في تلك الإئتلافات الشبابية الثورية التي انجرفت خلف العلمانية اللادينية، وانحرفت عن منهج الإسلام، وإن ادّعت غير ذلك، فإن الناس لا يُعطوا بدعواهم.

      إذن، هل يمكن، في هذه المرحلة التي وصفنا أن يسعى الناس إلى تطبيق الحكم الإسلاميّ، أم يقتصرون على الدعوة إلى تحسين الخلق والتربية حتى تكون القاعدة مسلمةٌ إسلاماً صافياً نقياً، ثم نسعى إلى تطبيق شرع الله؟

      إذا نظرنا في السيرة النبوية الشريفة، وفي منهج الله في التغيير، وجدنا أن مرحلة التمهيد قد جاءت على فترتين، أولهما، جاءت حاسمة قوية صادعة، وهي إعلان التوحيد في حياة الفرد، وضرورته في حياة الناس منهجاً وتطبيقاً، وأن ذلك هو الهدف الذي تسعى له الدعوة. هذا القدر جاء في اللحظة الأولى من الدعوة. ثم تبعتها الفترة الثانية من التمهيد، وهي فترة ترسيخ وتقوية وتأصيل عقديّ وأخلاقيّ، وإن أبقت على كثيرٍ من العادات الجاهلية، وتوازت في سيرها مع التقوية والإعداد الماديّ، والتربص لفرصة سانحة، واستمرت عليها عشرة سنوات في مكة. ثم جاءت مرحلة التغيير، ففرض الحكم الشرعيّ، وتسلم الإسلام الراية في المدينة، بعد أن رضوا به حكماً، وبدأت التشريعات في التنزل حسب الحاجة على مكث، لتواجه المتطلبات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والعسكرية المتطورة. كما توازت مع إستكمال بناء الشخصية المسلمة، وتربيتها وصقلها، دون توقف، وهي فترة الثلاثة عشر عاماً في المدينة.

      فأين نحن من هذه الصورة الآن، حتى نستطيع استلهام سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم والبناء على قواعد شرعنا؟ هل يجب أن ننتظر فلا نطالب بحكمٍ إسلاميّ لأن الكثرة الغالبة ممن يجهل الكثير من الشرع فلن يقبله ابتداءاً؟ أم لأن الظروف الإجتماعية لا تسمح بتطبيق تفاصيل الأحكام الشرعية، لعدم توفّر مناخها، فيجب الإنتظار حتى يتوفر المناخ، ثم يكون الإعلان عن إسلامية الدولة؟

      الثَابت المؤكد أن الغَالبية الشعبية تريد أن تطبق الشرع، كما وضح في استفتاء 19 مارس، وإن كانت لا تعرف على وجه التحديد ما هى تفاصيل الشرع الذي صوتت له. والثابت المؤكد أنه هناك من الفئات الدعوية ومن الإسلاميين، ومن "الرموز"، مع التحفظ على هذا الوصف، كوادر عريضة تعرف ما يجب أن يكون وما يجب اتباعه تحديداً وتفصيلاً. هذا من ناحية القاعدة الشعبية. كما أنه مما لاشك فيه أنّ الإستمرار في نشر الدعوة وتحسين الخلق، مع وجوبه وأهميته، يتوازى مع جهد خارق هدامٌ لمن بيده الحكم، يَهدِم ما نُقيم، ويُخّرِب ما نُصْلح، وهو ما ثَبُت في العقود السَابقة كلها، بلا استثناء، وهو العامل الأهم في هذه المُعادلة كلها.

      وحتى تتضح الصورة أكثر للباحث المدقق، يجب أن نختبر هذه االمفردات، التي ينشأ عن عدم ضبط حدودها خلل كبيرٌ في القول والعمل.

      فالتمهيد، في النظر المحقق تمهيدان. أولهما، تمهيدٌ بمعنى إعداد نفسٍ خاوية غير مشغولة بإيمان، لأن تتقبل الإيمان وترضى بالدين، وهم معنى الإيمان المجمل او التوحيد، وهو الجارى في العهد المكيّ. ثم تمهيدٌ بمعنى أن تُصبح النفس، بعد قبولها ممهدة لهذا الرضا بالطاعة، والصِراع للمحافظة عليها، وهو جارٍ في معنى زيادة الإيمان ونقصانه، وفي المدينة بعد الهجرة.

      ومن ثم يجب هنا التفريق بين التمهيد الفرديّ والتمكين الفرديّ، وبين التمهيد الإجتماعيّ، والتمكين الإجتماعيّ/السياسي، في حالة الحديث عن شعبٍ مسلمٍ. ففي حالة الأفراد، يكون التمكين، بمعنى تَمكّن لا إله إلا الله من النفس، أي الدخول في الإسلام، تمكينٌ سابق للتمهيد، الذي يعنى جعل النفس مُمهدة لزيادة الإيمان والطاعة والتعرف على مفردات دينها وشرعها، وهو مجال الدعوة الرحب الذي لن ينتهى إلى يوم يبعثون. أما في الناحية الإجتماعية/السياسية، ففي هذا الواقع كذلك، يأتي التمكين أولاً، من ناحية أن يكون إعلان الدولة المسلمة فرضٌ واجبٌ مع وجود الأغلبية الراضية، ثم التمهيد الإجتماعيّ/السياسي وهو تعديل الواقع ليكون موافقاً للأحكام الشرعية من باب إقامة الحدود، أو الجهاد، أو منع الربويات، وهو ما يلزم له وقتٌ طويلٌ كما حدث في الثلاثة عشر عاما في المدينة.

      والملاحظ أن التجمعات الإسلامية تطرق هذا الباب، ببساطة وسطحية، فتدعى أن التمكين هو تمكينٌ سياسيٌ بحت، وأنه يجب أن يأتي بعد التمهيد، أي قبول الناس لإعلان الدولة الإسلامية! وهم بهذا يرفعون عن أنفسهم حرج المواجهة، وإن كانوا لا يؤمنون بها ابتداءاً كما قلنا في مواضع أخرى.

      فأن يقال أن التَمكين بمعنى إعلان "لا إله إلا الله" لاحقٌ للتمهيد، هو مخالف لواقعنا الحاليّ. والذي بنت عليه الإخوان مواقفها عقودا متطاولة، من أنّ الإصلاح هو المطلوب لا التغيير. وهو ما نصرناه، مع التركيز على دعم معنى التوحيد عقوداً كذلك، إحتساباً لواقع الناس هذا. فيجب التمييز بين معاني التمكين، والتمهيد، وتحديد أيّها نقصد.

      معطيات الواقع الحاليّ إذن، هي

      • غالبية شَعبية تحب الإسلام، وصَوتت له مرتين، ودانت به، وإن جَهِلت الكثير من جوانبه، وعَانت من جراء الفساد والفتن التي سببها نخبة خربة ملحدة سيطرت على الحكم والإعلام.
      • نظام حكمٌ لم تتحَدّد مَعالمه بعد، يَسعى العَسكر، مُفلحين إلى اليوم، في السيطرة عليه، لأغراض صَرّحوا بها، وهي استمرار سَيطرتِهم على مقاليد الحكم حقيقة، واُصباغ الدولة بصِبغة العلمانية، وما يتبع ذلك من سياسات داخلية وخارجية.
      • جماعات "إسلامية"، تتمَتّع بتنظيم، وكوادر، وقوة بشرية داعمة، مدعموة بتأييد شَعبيّ كاسح، وهي مشغولة بالترشيح والإنتخاب، تاركة الهدف الأصليّ الأصيل دون مواجهة.

      الأمر، في حقيقته اليوم، هو هل يصح، مع هذه المعطيات التي ذكرنا، أن نُرجأ المطالبة بالخطوة الأولى من مرحلة التمهيد، وهى إعلان إسلامية الدولة، بلا إله إله إلا الله؟ ورفض علمنتها، عنوة لو تطلّب الأمر؟

      ونحن نعلم أن وضع المسلمين اليوم في مصر ليس كوضعهم في مكة، من حيث كانوا مشركين قابلين للإسلام. وليسوا هم أقلية مقهورة، إلا بقهرهم لأنفسهم، وتخاذلهم عن واجبهم، ورضاهم بالدون، وتخليهم عن خيار المجابهة والمجالدة ابتداءاً.

      إن الأستاذ سيد قطب حين قال "نحن نريد الإسلام في نفوس وقلوب الناس قبل أي إجراء آخر ، نريد تربية إسلامية قائمة أصلاً علي أساس العقيدة ، والأخلاق الإسلامية ، ويجب عدم إضاعة الوقت في فرض التشريع الإسلامي بالقوة ، قبل أن تكون القاعدة المسلمة في المجتمعات والتي تسعي لإقامة النظام الذي عاشت به وتعرفه" فإنه لم يكن يتحدث في عام 2011، الذي نعرف ونُقرٌ بما فيه من تغيير حاصلٍ، بل نتحدث اليوم بعد خمسين عاماً من العمل الإسلاميّ، والدعوة، في شعبٍ مسلمٍ ابتداءاً. فإن لم يكن هذا الشعب، بهذه المعطيات، بعد هذا الجهد، لا يصلح أن تُبعَثَ فيه دولة ترفع شعار لا إله إلا الله، فلا نحسب أن الدخول في هذه المجالس التشريعية والخضوع لحُكم العلمانية والديكتاتورية العَسكرية، التي نزعت بالفعل من اختصاصات رئيس الجمهورية اليوم، القضاء والسياسة الخارجية والدفاع والداخلية..ولم تبق له إلا الحديث عن التموين والغلاء والوحدات السكنية!، هذه المجالس التشريعية لن تنتج دعوة ولن تُصلِح أخلاقاً، إذ سيقف لها هؤلاء بالمرصاد، وهو البعد الذي لا يريد أن يراه من قنع بهذا القدر اليوم، ولم يهتبل الفرصة وهي لائحة قريبة.

      الأستاذ سيد، يشير في قولته إلى أنه لا يجب أن يكون هناك إنقلاب عسكريّ، أو حركة جهادية مفردة، تسيطر على الحكم بالقوة، دون قاعدة شعبية قابلة له. وهو ما نوافقه عليه، وهو ما دعونا اليه حين عارضنا الجماعات الجهادية، إذ إن اسلوبها لا يؤدى إلّا إلى فساد أعَم. لكن هذا ليس ما نحن فيه بإتفاق. فإن الشعب اليوم قد وقف بجانب التكتلات الإسلامية، من حيث هي داعية له، لكن التكتلات الإسلامية رفضت أن ترفع بالإسلام رأساً، وراحت، خوفاً وفزعاً، تتمحك في أقوالٍ تنزلها على غير مناطاتها، تبرر بها التخاذل والرضا بالدون. ثم إن الخروج إلى الشوارع للتظاهر السلميّ والإعتصام، ليس فَرضاً للحكم بالقوة، بل هو قوة في فَرضِ الحكم، والفارق بينهما بَيّن لمن له بصيرة.

      أما أن يقال أنه لا يجب إقامة الحكم الإسلاميّ، حتى مع الإستطاعة، لحين يتحول المسلمون إلى صحابة أو أقرب إلى الصحابة، لهو خطلٌ في الرأي وتهربٌ من المسؤولية. إن الإستطاعة في حدّ ذاتها، وهي ما نحسبه واقعنا اليوم، تدل على أن الشعب مهيأ لمثل هذه الخطوة. بينما ما يدعيه هؤلاء أنه: بما أننا لن نقيم الحكم الإسلاميّ اليوم، فهذا دليلٌ على أننا لسنا مستعدين له!! فرضية معكوسة.

      المطلوب، والواجب المقدور عليه، في واقعنا اليوم، هو المرحلة الأولى من التمهيد، بلا إله إلا الله، على كلّ رأس الدولة، بما فيهم العسكر. ليس مطلوباً أن يقام حدّ السارق أو الزاني، أو إلغاء الربا دفعة واحدة. وهي، في واقعنا هذا، مختلطة بمرحلة التمكين السياسيّ. ففي واقعنا، ليس الأمر على تدرجه كما حدث في السيرة النبوية. بل هي خليطٌ من التمهيد المجتمعيّ، والتمكين السياسيّ. ومحاولة الإنتظار حتى يتم التمهيد، لبداية التمكين، هو لغوٌ وفقرٌ في فقه الشرع والواقع جميعاً. كما أنّ إدعاء التمكين الكامل، وتناسى التمهيد الإجتماعيّ، بتهيئة الظروف للطاعة والحلال وإبطال دواعي المعصية والحرام، اكتفاء بالتمكين السياسيّ، لهو عبثٌ لن يقوم للإسلام قائمة عليه.

      من هنا نرى أن التمكين السياسيّ واجبٌ حالٌ، من حيث أن أفراد الأمة، أو غالبهم على الأصح، قابلين للتمكين الفردى، ولهذا صوتت الأغلبية، ولهذا فازت الأحزاب الإسلامية. فأن تتراجع تلك الأحزاب اليوم عن إعلان إسلامية الدولة، هو خيانة الأمانة والركون إلى الذين ظلموا، والتحجج بعدم استعداد الشعب! وهيهات أن يظفر هذا التحجج بقبول عند الله وعند الناس.