فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      الحركة الإسلامية بين جوهر الكمال وعوارض النقص (2)

      الحركة الإسلامية بين مضمون الكمال وعوارض النقص

      لا بد  لنا من البدأ بالحديث عن "جوهر الكمال" المقوِّم لوجود الحركة الإسلامية والذي يمثل النقطة الأعمق فيها، وذلك قبل أن نتعرض لـ "مركب النقص" العارض على ذلك الجوهر، وهناك سببين يفرضان علينا تلك البداية؛ السبب الأول متعلق بضرورة بالتسلسل المنطقي للأفكار، النزعات الدخيلة على التيار الإسلامي لم تنشأ خارج السياق النفسي للوجود الأصيل له، بل تجري مع ذلك الوجود في مجرى واحد يجعل تعيين ذلك الوجود الأصيل بدقة أولا ثم أن نستنتج منه تلك النزعات الدخيلة عليه ثانيا أمر لا بد منه.

      أما السبب الثاني الذي يجعل تعيين الوجود الأصيل للتيار الإسلامي أمرا بالغ الأهمية والخطورة، فتيعلق بضرورة الإيمان بذلك الوجود في جوهره النقي ورغم كل ما قد يطرأ عليه من عوارض دخيله. هذا التأكيد على الوجود الأصيل والإيمان به يعصمنا من أي هاجس سلبي تجاه الحركة الإسلامية قد يثبط فينا الفخر بالانتساب إليها، أو يكبت فينا الاستعداد للتضحية من أجلها، أو حتى يذهب بنا إلى الكفر بها تماما؛ هذا فيما يخص إيماننا، أما على الجانب المتعلق بالسجال الفكري بين الحركة الإسلامية وخصومها فتعيين الوجود الأصيل لنا والوعي الكامل به يسلب خصومنا حق تفسيرنا كوجود مزيف يمكن اختزاله في مقولات سيكلوجية أو سياسية أو اقتصادية أو ما إلى ذلك.

      تعيين الوجود الأصيل للظاهرة الإسلامية يُلزمنا بالتوجه نحو البداية الزمنية لها، لأن علة الشيء سابقة عليه في الزمان؛ وإنه لأمر مدهش حقا أن نكتشف أن البداية الزمنية للظاهرة الإسلامية هي أيضا بداية زمنية للظاهرة التي تقف منها موقف النقيض، وهي حركة التنوير والتي عرفت فيما بعد بالظاهرة العلمانية؛ أواسط القرن التاسع عشر شهد محمد عبده كبداية لحركة إصلاح أساسها البعث الإسلامي، كما أنه شهد رفاعة الطهطاوي كحركة إصلاح أساسها قيم الحداثة.

      محمد عبده وليس حسن البنا، البداية الإخوانية للحركة الإسلامية، رغم تعاطفنا معها، إلا أنها ليست البداية المطلقة، بل طفرة شعبية طرأت على نفس الظاهرة فغيرت وجودها النخبوي السابق عليها.

      الظاهرة الثلاثية (الإسلامية/ العلمانية/ الغربية) كمدخل للفهم

      وسرعان ما ندرك أن البداية الزمنية المشتركة للظاهرتين النقيضتين لا تبعث على الدهشة بقدر ما تيسر لنا مهمة البحث عن العلة الفاعلة للظاهرة الإسلامية، فلو عثرنا على قاسم مشترك بين الظاهرتين النقيضتين لأمكن حينها أن نعتبره بداية للظاهرة المعنية بالنسبة لنا منهما وهي الظاهرة الإسلامية.

      الحقيقة أن الوحدة التي نرجو العثور علينا بين هاتين الظاهرتين النقيضتين تعود بالضرورة إلى موضوع الخلاف بينهما، فثم إذا موضوع واحد يجمعهما في الوقت الذي يفرق فيه بينهما، ولا أعتقد أن موضوعا يتحقق فيه هذا الشرط مثل موضوع "الهيمنة الغربية" التي استطالت بوجهيها العسكري والثقافي.

      اشتراك "سيد القطب" و"رفاعة الطهطاوي" في خبرتهما بالحضارة الغربية، ثم عودة كل منهما إلى أمته بوجه هو على النقيض من الوجه الذي عاد به صاحبه، هذا المشهد يمكن اعتباره تكثيفا رمزيا حيا لوحدة المثير الغربي وازدواجية مضمون الاستجابة له، عاد رفاعة الطهطاوي من فرنسا منبهرا بها، فكتب "تلخيص الإبريز في تلخيص باريز"، وصار مبشرا بأفكار الحضارة التي  يعبر عنها المجتمع الفرنسي، بل وإماما للتنوير. أما سيد قطب فقد عاد من أمريكا ناقما عليها مستاءا منها، وكتب "أمريكا التي رأيت"، وصار عدوا لقيم الحضارة التي أسفرت عن المجتمع الأمريكي، وهذا ما يبرر لنا اعتباره الشخصية الأكثر تعبيرا عن روح الحركة الإسلامية بتأكيده الدائم على "انتهاء دور الرجل الأبيض".

      ويمكن تفسير أسبقية الطبيعة النخبوية للظاهرة الإسلامية على ذلك التغير الشعبي الطارئ عليها من خلال تعلق جوهر الظاهرة بالمسألة الغربية، فإذا كانت النخبة بطبيعتها تسبق الجماهير في الوعي بتلك المسألة، فمن المتوقع أن تسبق الطبيعة النخبوية للظاهرة شكلها الجماهيري.

      ويمكن تأسيسا على تلك العلاقة بين الظاهرة الإسلامية وبين الهيمنة الغربية قبول ذلك الربط الشائع بين هزيمة 1967 وبين المد الإسلامي، ليس كبداية مطلقة أيضا لكن كطفرة حادة في سفور الهيمنة الغربية أسفرت عن تغير كمي مقابل لها في الاستجابة لهذا السفور، ويمكن استنادا إلى ذلك إضافة غزو العراق والانتفاضة الثانية كطفرات حادة أخرى في تلك العلاقة الثابتة وجودا بين الشرق والغرب.

      إذا فالظاهرتين الإسلامية والعلمانية هما استجابتين لمثير واحد هو الهيمنة الغربية، وردتي فعل لوضع واحد هو التفوق الغربي؛ لكن رغم وضوح تلك الصيغة الثلاثية التي تجمع بين الظاهرة الإسلامية والعلمانية والغربية، إلا أنه ليس علينا أن نتعجل فنقرر أننا قد وقفنا على مضمون الظاهرة الإسلامية وأنها استجابة للاستفزاز الغربي كما أن الظاهرة العلمانية كذلك، وذلك أن كل من هاتين الاستجابتين للهيمنة الغربية يمكن تأويله على وجه سلبي وآخر إيجابي، فالظاهرة الإسلامية يمكن تأويلها على أنها استجابة هروب إلى الماضي كحالة عجز أمام الحاضر واستحلاب لنشوة مجد تخييلية مزيفة لا يوفرها الحاضر بشكل واقعي؛ كما يمكن تأويلها على أنها تصرف وقائي يقصد حماية الأمة من الذوبان، فأين جوهر الحركة الإسلامية من هذين التفسيرين؟ هل هي درع واقي للأمة أم نوع من التعاطي الجماعي لمخدر البطولات التاريخية؟ كذلك الظاهرة العلمانية يمكن تأويلها على أنها حالة انبهار أعمى يعجز عن التمييز بين التقنية الغربية والقيم الغربية، كما يمكن تأويلها على أنها حركة استلهام عناصر القوة في الحضارة المتفوقة بقصد السيطرة على دوافعها التسلطية، فأي تكمن طبيعة الظاهرة العلمانية من ذلك؟ هل هي حركة واعية مقصدها اقتناص أسباب القوة فعلا أم أنها نوع من الانسلاب الجماعية أمام بريق الحضارة الغربية؟.

      هذا التضارب في التأويل، وهو ما يهدد بإفشال أي تقدم في التفسير، يعود بالأساس إلى عزل كل من الظاهرتين عن الأخرى وتناول كل منهما على حدة من حيثيتها كاستجابة للحالة الغربية، وهذا العزل المتعسف بين الظاهرتين يفقدنا معيار التفسير، كما يمنح كلا من الظاهرتين _ نظريا _ فرصة تحريف دلالة الأخرى بشكل متعمد، ويترك كل ظاهرة منهما معرضة لإسقاطات الأخرى. بل وقد أدى ذلك أيضا إلى ظهور كتابات ذات مضمون علماني تحاول الظهور بمظهر الحكيم العاقل الذي يقف موقفا وسطا بين هؤلاء وأولئك، وهو أثناء ذلك يحاول تسميم الأمة بمضامين علمانية بحتة.

      الإخراج المقلوب من الطرف العلماني لنظرية التحدي والاستجابة

      الضرورة المنهجية تقتضي دمجا نظريا للظواهر الثلاثة: الإسلامية والعلمانية والأخيرة التي أثارتهما وهي "الهيمنة الغربية، دمج ثلاثتهم في إطار تفسيري موضوعي واحد وواضح الأسس بحيث يكون حصيلة استقراء وقائع اجتماعية شبيهة ومتكررة في التاريخ؛ وأعتقد أن هذا هو الإسهام الذي قام به المؤرخ المعروف (أرنولد توينبي) في كتابه (دراسة في التاريخ)، وذلك في نظريته الشهيرة والتي تتحدث معادلة ثابتة هي معادلة (الخطر والاستجابتين) والتي عرفت بنظرية (التحدي والاستجابة)، ويمكن إيجازها في أنه "عند تعرض جماعة بشرية معينة لخطر خارجي يهدد وجودها فإنها تتمايز داخليا إلى نمطين من الاستجابة لهذا الخطر، أحدهما هو استجابة الهروب، وتبدو في سلوك نكوصي جماعي إلى مرحلة حضارية أكثر بدائية وخالية من الخطر الراهن بقصد الزوال أمامه؛ واستجابة المواجهة، وتبدو في نزعة تحفز ضد هذا الخطر واستنفار للقوى الداخلية للجماعة بجميع أنواعها بقصد مواجهة ذلك  الخطر؛ ويتحدد مستقبل تلك الجماعة حسب سيادة أحد النمطين على الآخر داخلها، فسيادة نمط النكوص الهروبي معناه فقدان الوجود الحضاري لتلك الجماعة، أما سيادة نمط الهجوم فيؤدي إلى ترقيها في سلم الحضارة وتأصُّل وجودها في التاريخ".

      جوهر الحركة الإسلامية هو مواجهة الحضارة الغربية

      والسؤال الذي يجعلنا على مشارف الحسم في تفسير الظاهرتين النقيضتين هو: أيهما يمثل نمط الهروب وأيهما يمثل نمط المواجهة؟ وأعتقد أن وضع السؤال بهذا الشكل يجعلنا أكثر تضييقا على الظاهرة الثلاثية بعناصرها، وأقرب إلى الإمساك بها.

      ورغم الوضع الذي آلت إليه الحركة الإسلامية على مستوى العالم كطرف صعب أمام الحضارة الغربية في حرب باردة وساخنة هي الأشرس من نوعها، إلا أننا لسنا في مأمن من أن نبدو منحيزين حين نقرر أننا كإسلاميين نمثل نمط المواجهة، وأن الظاهرة العلمانية تمثل نمط الهروب الحضاري، فلا يزال الخطاب العلماني بإيحاء ذاتي لـ(مقلوب) نظرية التحدي والاستجابة، بحيث ييبدو من خلال هذا الـ (مقلوب) كنمط مواجهة حضارية مع الغرب، في حين تبدو الظاهرة الإسلامية كنمط هروب.

      ويمكن حسم المسألة بتفكيك نظرية التحدي والاستجابة إلى مكونيها الداخليين، ثم رصد تجليات كل مكون منهما في حركة التاريخ واستقراءها وصولا إلى طبيعتها الهروبية أو الهجومية، ثم الوقوف على مدى ملائمة كل ظاهرة لكل نمط.

      ونقصد بالمكونين الداخليين لنظرية التحدي والاستجابة، ذلك المتعلق منهما بسلوك الهروب الحضاري، والذي يعود أصلا إلى نظرية ابن خلدون حول "الاقتداء بالمتغلب" والتي أفرد لها فصلا بعنوان: "في أن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده"، كما تعود في الوقت ذاته إلى ميكانيزم "التوحد بالمعتدي" أو "التماهي بالمتسلط" والذي أُِدرج في تراث التحليل النفسي المعاصر كأحد أهم آليات الدفاع غير الواعية، هاتان النظريتان تمثلان الأساس التاريخي لنمط استجابة الهروب والذي استعاره "توينبي" في صياغة الشق السلبي لنظريته في "التحدي والاستجابة"؛ وهذه هي الفكرة التي تفسَّر من خلالها وعلى مدار التاريخ اضمحلال المجتمعات القديمة الضعيفة وزوالها أمام الأخرى التي توفرت لها عناصر الإبهار وأهمها القوة. وأعتقد أنه ليس علينا بذل جهدا يذكر لنرى بوضوح مدى القرابة بين سلوك "التوحد بالمعتدي" وبين الظاهرة العلمانية كنمط هروب حضاري.

      أما المبررات العلمانية المنطقية لاستلهام مصادر القوة عند الخصم للتصدي له، وتلك المقولات العلمانية التي تتحدث عن (الحرص الواجب) فيما يتعلق باستيراد القيم الغربية، هذه المحاولات التي تقصد بها العلمانية تجنب سفورها كحالة نفسية بحتة لا قيمة لها، هذه المحاولات مفهومة من خلال "الأقنعة المنطقية" التي ترتديها ميكانيزمات الدفاع غير الواعية وغير المقبولة أخلاقيا، ويمكن اقتناص مقولات علمانية سافرة كانت قبل أن تستطيع العلمانية تطوير قناعها المنطقي، مثل مقولة (طه حسين) والتي كان يدعو فيها إلى أخذ كل ما عند الغرب حتى النخامة التي يتنخمونها، أو مقولة (أمين عثمان) التي كان يتحدث فيها عن زواج مصر من بريطانيا زواجا كاثوليكيا، وأن مصر حليفة لبريطانيا حتى لو كان السلوك البريطاني خاليا من العدالة.

      التوجه للتراث هو عمل من أعمال الحرب وليس نكوصا هروبيا

      (المقلوب) العلماني لنظرية التحدي والاستجابة اعتمد في تصنيفه للظاهرة الإسلامية كنمط هروب على البعد التاريخي لهذه الظاهرة كحركة إحياء للتراث واستدعاء لقيم الماضي ورموزه، وهنا نأتي إلى المكون الثاني للنظرية، ذلك المتعلق باستجابة المواجهة الحضارية؛ الحقيقة أن النظرية تتحدث عن النكوص الحضاري تقوم به الجماعة لا بقصد إزالة الخطر، بل بقصد إزالة الذات الحضارية من أمام الخطر، التنازل عن ذلك المستوى من الرقي الحضاري الذي يمثل فيه ذلك الخطر، "توينبي" يضرب مثلا لذلك هو تقهقر بعض الجماعات البشرية من الزراعة إلى الرعي حين يمثل خطر الجفاف، الجفاف خطر على الجماعات الزراعية وليس على الجماعات الرعوية، الجماعة إذا تتنازل عن كونها زراعية لنفي نفسها جزئيا أمام الخطر، هذا هو النكوص الماضوي الهروبي الذي تتحدث عنه النظرية.

      عملية إحياء التراث ليس لها أي علاقة من قريب أو من بعيد بما سبق من تعريف لمفهوم النكوص الهروبي، استدعاء المكون التاريخي للجماعة هو إحداث نوع من التكامل داخل تلك الجماعة، بل وعلى نقيض ما ذهب إليه معتنقو (مقلوب) نظرية التحدي والاستجابة، هذا التكامل الداخلي في الجماعة ليس مجرد تطوير وحسب، إنه تطوير بقصد ممارسة العداء مع الأمم الأخرى، أو على الأقل: التحفز ضدها. كل التجارب التي استعرضها الدكتور "حامد ربيع" في كتاب "سلوك المالك في تدبير الممالك"، كنماذج حية لفكرة إحياء التراث في التاريخ المعاصر، كلها نماذج قتالية استعلائية تخلو من أي نبرة تعايش حضاري فضلا عن هروب حضاري.

      الصهيونية والنازية والفاشية كلها نماذج استلهمت الماضي في سياق سياسي وعسكري تغلب عليه أقصى حالات الرغبة في البقاء على حساب الآخر، بدءا بالأفكار والمعتقدات والأساطير وانتهاءا بالتحية الرومانية التي تم إحياؤها في المعسكرين النازي والفاشي (إضغط هنا)

      العنصر التاريخي يبدو أيضا في ذلك الحوار الذي دار بين جراتسياني وبين عمر المختار، والذي ذكره الأول في مذكراته ووضعت بنصها في الفيلم السينيمائي المعروف (إضغط هنا).

      توجه الظاهرة الإسلامية نحو التراث أو التاريخ ليس عملا هروبيا، بل على العكس، هو عمل من أعمال الحرب على المستوى الحضاري، وأشبه ما يكون باستدعاء قوات الاحتياط في عالم العسكرية. إنه تنظيم للصف الداخلي للمجتمع حيث يشكل الماضي أحد عناصره الروحية والفكرية، وحيث يمنح ذلك الماضي كل ما يلزم المجتمع من رموز ملهمة في مواجهته مع الخطر المحيط به.

      وقد يشمئز أحدهم من وضعنا للحركة الإسلامية مع حركات عنصرية مرفوضة إنسانيا مثل النازية والصهيونية لاستناد كل منها إلى وجهة نظر تقوم على الاستعلاء على الآخرين، على هذا المشمئز أن يعي أننا عنصريون في أحد تعريفات العنصرية، فنحن نفرق بين الناس على أساس الدين، لكننا إنسانيون لأننا نتجاهل أي شيء آخر خلاف الدين، فثم إذا صلة تربطنا بالنازية والصهيونية، وجه الشبه هو أن كل منها يدعي أنه خير الناس وأن سيادة الناس واجبة عليه، أما الفرق بيننا فهو في صدق الدعوى وليس في مضمونها.

      تعيين البعد النكوصي للظاهرة العلمانية

      لكن، إن كانت عملية استدعاء التاريخ عموما أو إحياء التراث الإسلامي خصوصا عملية بريئة كل البراءة من تهمة (النكوص الحضاري)، وإذا كان استعراض وقائعها في التاريخ تدل دلالة عكسية على تلك التهمة؛ وإذا كانت الظاهرة العلمانية هي الممثلة الوحيدة لنمط الهروب الحضاري، فأين إذا ذلك السلوك النكوصي في الظاهرة العلمانية والذي تحدثت عنه النظرية؟

      الحقيقة أنه ينبغي أن نميز بين الخطر الطبيعي أو الكارثي، وبين الخطر البشري الذي يمثله هيمنة عسكرية أو ثقافية لحضارة مغايرة، النكوص أمام الخطر الأول يتمثل في نكوص بالمعنى التاريخي للكلمة، نكوص إلى مرحلة في تاريخ الجماعة لم يكن فيها الخطر قائما. أما الخطر البشري فهو خطر ذو طبيعة نفسية، إنه اضطراب في علاقة الذات بالآخر وليس في علاقة الإنسان بالطبيعة.

      هذه الطبيعة النفسية للخطر الحضاري تجعل النكوص أمامه ذو طبيعة نفسية أيضا، إنه نكوص بالمعنى النفسي للكلمة وليس بالمعنى التاريخي، إنه نكوص جماعي إلى طور طفولي متقدم في النمو النفسي لإنسان هذه الجماعة وليس إلى طور تاريخي متقدم في نشأتها.

      ابن خلدون نفسه يشرح الجانب النكوصي في سلوك "التوحد بالمعتدي"، وأنه عودة إلى الماضي من الناحية النفسية الفردية وليس من الناحية الزمنية الخاصة بتاريخ الجماعة، إنه يقرر إن سلوك "الاقتداء بالمتغلب" هو عودة إلى علاقة الطفل مع الأب الذي يقوم بدوره على مستوى التخييل تلك الحضارة المتغلبة، فيقول: "..ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبداً بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها، بل وفي سائر أحواله. وانظر ذلك في الأبناء مع آبائهم كيف تجدهم متشبهين بهم دائماً؛ وما ذلك إلا لاعتقادهم الكمال فيهم".

      التفسير النفسي للتشويه العلماني لنظرية التحدي والاستجابة

      بل إننا مدركين للأساس النفسي وراء التحريف العلماني لنظرية التحدي والاستجابة، وإعادة إخراجها بشكل مقلوب، ونفهم ذلك من خلال طبيعة الشخصية التي تمارس وهم التوحد بالمعتدي، التوحد بالآخر المحبوب هو رؤية الذات من خلاله بحيث تكون مجرد انعكاس له، والشخصية التي تمارس هذا النوع من الوهم تمارس معه نوعا آخر قرين له، وهو "إسقاط" صورة الذات المكروهة على الآخر، وكلا من التوحد والإسقاط يقوم بوظيفة واحدة، التخلص من القلق، الشخصية العلمانية تخلصت وهميا من قلق الهزيمة بالهروب من مواجهة المعتدي والتوحد به، ثم تخلصت من قلق الهروب وهميا بأن أسقطت تهمة الهروب على الظاهرة الإسلامية التي تمثل بالنسبة لها أنسب موضوع لأنها النمط الذي يشكل تهديدا للنمط العلماني.

      * * *

      وعود على بدأ، فأعتقد أننا بذلك على مشارف استنتاج النزعات الدخيلة على الحركة الإسلامية بعد أن حددنا معالم وجودها الحقيقي والذي طرأت عليه تلك النزعات، وأهم من ذلك، أصبحنا أكثر إيمانا بذلك الوجود الأخلاقي النبيل فروسي الطابع، وأنه وجود يستحق أن نفخر بالانتساب إليه وبالتضحية من أجله.

      لكن حديثنا عن "المواجهة الحضارية" كمضمون للحركة الإسلامية يثير تساؤلا آخر: ألا يعد هذا تهجما عليها من حيث أردنا الدفاع عنها؟ ألا يعد اختزال الظاهرة الإسلامية في دافع لا تعيه هو نوعا من الإقرار بأن الظاهرة الإسلامية لا تعين نفسها وبالتالي فهي لا تملك وجودها؟ ثم كيف تفسر ظاهرة ربانية بوقائع حضارية عارضة؟ كيف نقبل بتفسير يجعل الحركة الإسلامية مجرد رد فعل لواقعة زمنية عارضة، حتى لو كان رد الفعل هذا أخلاقيا حميدا ونتخلى عن اعتبارها مرتبطة بمفاهيم إيمانية تتعلق بالله هداية الناس إليه وإعلاء كلمته.

      انتهى الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث إن شاء الله