فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      7- بين حقٍ ضائع ..وواجبٍ مُضَيّع 2/2

      وفي موعد اللقاء ومكانه، اجتمعت السيدات في بيت إحداهن، وإن زاد عددهن، إذ أحضرت كلّ واحدة منهن صديقة من الراغبات في العلم والمتشوفات إلى المعرفة، مما حدا بأم عمرو، المضيفة، أن تنقل الجلسة إلى الدور تحت الأرضيّ ليتسع المكان للعديدات من الوافدات الجدد، وقد ظهر الاهتمام عليهن جميعـا.

      أخذت السيدات الحاضرات في مراسم التعارف وأحاديث الود والمجاملة حتى أومأت المضيفة أن قد حان الوقت لنصل من الحديث ما انقطع، فانتبهت السيدات وتطلعن ناحية أم هانئ فشرعت تقول:" أبدأ بحمد الله سبحانه والثناء عليه، ثم أكرّ عائدة إلى ما بدأت في المرة السابقة من حديث عن علاقة الزوجة بزوجها، ورويت في ذلك أحاديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، منها ما رواه النسائي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة" مسلم في الرضاع، النسائي في النكاح. ولعلكن تلحظن ما وُصفت به المرأة في هذا الحديث، أخواتي المؤمنات، إذ وُصِفَت بأنها "صالحة" وقد جُعِل وصف الصالحة حالا للمرأة، وهو ما يلقي ظلالا على هذا الأمر يحسن بالمسلمة أن تتأمّلها بعقلٍ واعٍ وقلبٍ صاحٍ.

      فالأمر الأول أن المرأة من المتاع المحبوب المرغوب إذ وصفت، حال كونها صالحة، أنها من خير المتاع، والمتاع مشتق من المتعـة، وهي تحمل معاني السرور والراحة والسعادة، إذ لا متعة في التناحر والشقاق والخلاف، فإن بدأ التناحر والخلاف لم تعد المرأة من المتاع، وفقد الزوجان خير متاع الدنيا، الذي هو خير للرجل من المال الكثير والمتاع العريض. وخير للمرأة أن تكون من خير ما يرزق به الرجل من متاع حياته من أن تكون مما ينغّص حياتهما معا ويفقدهما سرّ السعادة والهناء، وذلك بأن تكون "صالحة".

      وإذ وصلنا إلى هذه المرحلة، أود أن أفاجئكن بأنني لا أري أن حال الصلاح الذي وصفت به المرأة لتحقق كونها خير المتاع، لم يقصد به أصلا الصلاح الدينيّ أي أن أنه ليس مقصودا أن خير المتاع، وخير الزوجة، من هي صالحة تقيّة تصلي فرضها وتصوم شهرها وتتقي ربها، لا ليس هذا هو المقصود الأصليّ هنا، وإن كان مقصود بطريق العرض". وهمهمت السيدات الجالسات وتطلعن إلى بعضهن البعض متعجبات لما تقول أم أنس، وقالت أم الفضل:"ولكن، أم أنس، تعوّدنا أن نفهم ذلك على أن المرأة الصالحة هي المرأة التقيّة الوَرِعَة، فكيف يكون ذلك أمر ثانويّ لا ضروريّ، وكيف يكون التدين غير مقصود في هذا الحديث؟" قالت أم أنس:"على رسلك أم الفضل، فإن المقصود هنا هو الصلاح المرتبط بكونها زوجة لا مُطلق الصلاح من كونها مسلمة. فلصلاح يرتبط بحال المرء، فصلاحه حال كونه زوج غير صلاحه حال كونه أبا أو موظفا أو شريك عمل أو غير ذلك من الأحوال التي يمر بها الرجل المسلم والمرأة المسلمة. والزوجة يرتبط صلاحها كزوجة بأكثر من مجرد صلاحها كمسلمة، فصلاحها كزوجة يعني أن تصلح زوجة بكل ما في الكلمة من معان، ومن هذه المعان أن تكون تقيّة ورِعـة تعرف حقوق ربها عليها وتطيع أوامره وتنتهي عن نواهيه، وهي لذلك تطيع زوجها، من حيث هي زوجة، لأن الله سبحانه أمرها بذلك، ثم من معاني صلاحها كزوجة أن تكون هيّنـة ليّنـة تعكس وصف الأنوثة في كلامها وحركاتها، فَتَدِلُّ على زوجها دلالاً مرغّباً لا دلالا منفّراً، ثم هي تقوم بواجب بيتها من رعاية وتنظيم على أكمل وجه، فهي نظيفة مرتبة نشطة لواجبها، لا يدفعها زوجها لأداء عملها دفع المعلّم للتلميذ الكسول، وهي تعرف أن رجلها راع في بيته ومسؤول عن رعيته، فهي تعطيه حقّه في الاحترام والتقدير ومراعاة أحواله قبل نفسها وأولادها، فهو الأصل والبقية فروع، والفرع لا يقدّم على الأصل بحال وإلا فسدت الدنيا، فإن رأته صامتا احترمت صمته حتى يتحدّث، وإن رأته فرحا شاركته الفرحة، وإن نام هدأت وهدّأت البيت، وإن قام نشطت لِما يريد من غذاء أو كساء، وإن انصرف لعمله ودّعته راجية له سعة الرزق وحسن المنقلب ، وإن عاد هوّنت عليه ما لقيّ من كد ونصب، تتحدث عنه بعزّة وفخر أمام رفيقاتها، وتبيّن وجه الكمال فيه وتدارى أوجه النقص ما استطاعت، وترفع من قدره أمام أبنائه وأهله، وهو يراها دائمة الرضا قانعة بما يأتيها به من عاديات الدنيا ومتاعها، لا تتبرّم ولا تشتكي قدر استطاعتها، فإن البرم والشكوى من الدنيا خُلُقٌ هادم لسعادتهما، يسري مسرى السرطان في الجسد ليقضي عليه. والمرأة مطالبة بأن ترعى بيتها، ورعاية البيت تشمل أكثر من كل ما أسلفت، فهو واجب دائم التجدد، وهو عطاء غير منقطع تبذله المرأة الصالحة.

      وأحسبكن تتحدّثن في أنفسكن، ما هذا الحديث! "وكأن الرجل سيد الكون وإله المرأة من دون الله" استغفر الله من ذلك، ولكن يا أخواتي الكريمات أود أن أنبهَكُنّ إلى أمرين عظيميّ الخطر هنا؛ أولهما أننا لم نتناول ما للمرأة على الرجل من حقٍّ بعد، وستسعدن بما أقول في هذا وما قد وجّهت إليه نظر الرجال من قبل في سالف جلساتنا، والأمر الآخر، وهو الأهم، ما رواه أبو داود عن قيس بن سعد وأحمد عن أنس بن مالك وبن ماجة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال:"لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل الله لهم عليهن من الحقّ" أبو داود في النكاح وبن ماجة في النكاح وأحمد في مسند المكثرين واللفظ لأب داود. وهو فضل وحقّ افترضه الله علينا ليس لنا أن نغفل عنه، وإن غفلنا عنه فلنغفل إذا عن غيره من حقوق الله التي افترضها علينا فهو مثلها سواء بسواء. من هنا وَجب علينا أن نكون من الصالحات، أي الصالحات للزواج، فإن في ذلك سعادتنا نحن؛ النساء؛ قبل سعادة أزواجنا، فكم من امرأة ظنت أنها تستطيع أن تدرك سعادتها من خلال تحصيل أكبر قدر من الكسل أو زينة الحليّ والذهب أو تخزين المال بما تقتطعه من دخل زوجها لنفسها أو غير ذلك مما لم تراع فيه صلاحها وصلاح بيتها فانتهى الأمر بها إلى أن قضت حياتها شقيّة تعيسة، ولم تطمئن إلى نجاتها من عذاب الآخرة إذ لم تحقق وصية ربها باحترام زوجها ورعاية بيتها."

      انتبهت السيدات إلى أن الوقت قد أزف لانصراف، فأخذن في تجميع حوائجهن استعدادا للمغادرة، وقد تاه فكرهن فيما سمعن من أم هانئ، وصرن يتساءلن "أأدّيت حق زوجي عليّ، أم أنني صرفت أيامي أتشبث بحقي عليه غافلة عما افترضه الله له من حق وما جعل له من فضل!!"

      د. طارق عبد الحليم