إزالة الصورة من الطباعة

4- يامَعْشَرَ النِسَـاءِ تَصَدّقْن ! (1)

وعلى موعِدِهن، التقت النساء الأربعة في منزل أم عمرو، وبعد أن جرى بينهن ما يجري من مقدمات عن حال الأهل الأولاد، قالت أم هانئ:"نبدأ بسم الله الذي علّمنا ما لم نكن نعلم، من منكم ستبدأنا بالحديث اليوم ؟". تبادلت الزائرات نظرات سريعة وساد صمت قصير قطعته أم الفضل بقولها:"اسمحوا لي أن أبدأ بالحديث، وهو أمر أحسب أن له علاقة وطيدة بموضوع الأسبوع الماضي، فقد حيّرني ذلك الأمر من أمور الشريعة منذ أيام شبابي، بل أحسبه قد حيّر الكثيرات منا نساء القرن العشرين، وهو: كيف نتعامل مع بعض ما ورد في الحديث مما قد يوحي إلى العقل النسائيّ المتحضّر التحامل على جنس النساء، ويأبى قلب المؤمنة أن يطاوع هذا الوحي الشيطانيّ، دون سند من تفسير معقول أو أثر منقول يوضح وجه الحق فيه ؟". قالت أم هانئ، وقد رأت ملامح الموافقة على ما ذكرته أم الفضل باديا على وجوه رفيقاتها:"اسمعن يا أخوات، واسمعن بقلوبكن وعقولكن جميعا؛ إن مما يخالف أبسط قواعد العقل والمنطق أن يخلق الله سبحانه نصف الخلق من جنس النساء ثم يتحامل عليهن – حاشا لله – أو يضع من قدرهن، لا لسبب إلا لأنهن نساء ولا غير! ذلك قول المتدينين من النصارى الذين يرون أن آدم إنما حُرم من الرحمة واستحق الطرد من الجنة بسبب حواء التي أغوته بأكل التفاحة من شجرة الخلد، وكانت نصير الشيطان ومثال الحية الرقطاء التي سرى سُمّها في دم آدم فأفسده وألقى بإثم الخطيئة الأولى على رأس عقبه إلى يوم الدين، فالمرأة في هذا التصور هي مصدر الشرور، كل الشرورِ، وهـي مصدر اللعنات، كل اللعناتِ، فما لأهل الغرب النصراني يتصنّعون الرحمـة بالنساء بما اصطنعوه من معاني "الحركة النسائية" و"حقوق المرأة" وخلاف ذلك مما يوحون به، بل ويصرحون في كثير من الأحيـان، من ضرورة تحرير المرأة المسلمة من ضروب الـذلة والمهانة التي تحياها المرأة المسلمة! وهو حديث يطول يا أختاه، فما لك لا تحددين أمرا بذاته أزعجك وتعصىّ على عقلك أن ينزّله منزله من الفهم السديد؟". قالت أم الفضل:"فما قولك، أم هانئ، في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أننا ناقصات عقل ودين، إن صحت نسبة ذلك القول إليه صلى الله عليه وسلم ؟" اعتدلت أم هانئ في جلستها، وظهر على ملامحها الجد، كل الجد، ثم استغفرت الله وشـرعت تقول:" ما قلتِ يا أختاه يحمل صوابا يجدر بي أن أنبه إليه قبل أن أبدأ حديثي، وهو أننا يجب أن نتيقّن من صحة ما نسمع من أقوال تنسب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن نحكم عليها بالصحة أو الخطأ، فإن كثير من الناس ينسب القول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يبالي أصحّت النسبة أم لم تصح، وفي هذا ما فيه من الإفتئات على الدين.

أما عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرت آنفا منه كلمة، فهو عن أبي سعيد الخدريّ قال:"خرج رسول الله في َأضحَى أو فِطر إلى المصلى، فمر على النساء فقال: يا معشر النساء تصدّقن فإني أُرِيتُـكن أكثر أهل النار، فقلن وبم يا رسول الله ؟ قال: تُكثِرن اللعن وتَكفُرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للُبِ الرجل الحازم من إحداكن، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله ؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل، قلن بلى، قال فذلك من نقصان عقلها، قال أليس إذا حاضت لم تصلي ولم تصم ، قلن بلى، قال: فذلك من نقصان دينها"، وقد رواه البخاريّ في باب "كفران العشير أو كفر دون كفر، ومسلم والترمذيّ والنسائيّ وابن ماجة وأحمـد في المسند والدارمـيّ بألفاظ متفاوتة، واللفظ الذي رويتـه للبخاريّ، وزاد بقية الأئمة " فجعلن ينزعن قلائدهن وأقراطهن وخواتيمهن يقذفنه في ثوب بلال يتصدقن به"و الزيادة للنسائيّ. وفي رواية مسلم "فقامت امرأة سِطَة من النساء سَعفاءِ الخدين فقالت لم...الحديث" مسلم باب صلاة العيديين. فالحديث من ناحية الثبوت لا خلاف عليه، وما يجب أن نبدأ به فهو التسليم له وتلقيه بالقبول، إذ لا بديل لذلك إلا الانفكاك عن الإيمان..

أمر يجدر أن نذكره في هذا المقام قبل أن نشرع في الحديث عن متن الحديث النبويّ، وهو ما أدعوكن إلى التأمل فيه، أخواتي المؤمنات، انظرن إلى ردة فعل المؤمنات المخاطبات بهذا الحديث، فأولا: تلك المرأة التي سألت رسول الله والتي قلّما نسمع من يتحدث عنها أو يذكرها رغم أنها صاحبة الفضل في تعريفنا بهذا الأمر الذي نحن بصدده؛ قد وصفتها ألفاظ الحديث في مسلم بأنها "جَـزِلة " أي ذات عقل ورأي، وأنها " من سِطَة النساء " أي من خيارهن، ووصفها النسائيّ بأنها " من سَفِلَة النساء " أي ليست من أرفعهن قدرا، ولا تعارض بين كونها من خيار النساء وكونها ليست من أرفعهن قدرا، وتفسير ذلك، فيما أحسب، أنها قد وّصفت في لفظ مسلم بأنها " سـعفاء الخدّين " أي قد تغيّر لون بشرتها وجلدها من العمل والضنك، فهي إذن امرأة من الطبقة العاملة التي تقوم على خدمة أهلها، وليست، بتعبير أهل ذلك الزمان، من الأشراف أي ممن يقوم الغير على خدمتهن، فهي إذن امرأة عاقلة عاملة أرادت أن تعرف لم وُصفت وسائر النساء بهذه الأوصاف، ليس تحدّيـا للقول كما هو حال السائلات من بنات هذا الزمان، بل لتعرف ما لها وما عليها فتتصرّف تبعا له، وها هنا نكتة أستشعرها بعين الرأي وشاهد الحال لا عين التحقيق و تدقيق المقال، وهي تتعلق بأن من سألت السؤال – ولم يا رسول الله - كانت من الكادحات العاملات لا من المنعّمات المرفّهات، فهل تعرف إحداكن لهذا تفسيرا ؟" قالت أم أنس: "أعتقد أنني أدرك ما تقصدين إليه، أم هانئ، فسبب ذلك أن المرفهات من النساء يعلمن أنهن ممن لم يعرفن قسوة الحياة و شدة أمرها ولم يشاركن أزواجهن في تحمّل أعبائها فكُن أكثر النساء شكاية وتبرّما بالحياة، بينما أن هذه المرأة الكادحة ذات الرأي والعقل قد عُمّي عليها وجه النقص، فهي تكدح مع زوجها أو أهلها لتقيم أود حياتهم وهي مشغولة بالأهـم من شؤون الحياة عن مغالبة عشيرها في أمور المال والنفقة، فكانت أحـرى أن تتولى السؤال عن النقص في بني حواء، من أين أتى." ابتسمت أم هانئ وقالت:" جزاك الله خيرا أم أنس، فوالله لهو عين ما أردت أن أقول، وهي الفطرة الصادقة يلتقي عليها الفهم الراشد بين من التزم بالإسلام ورضي بشرعته، ولكنني أضيف إلى ذلك أمر آخر وهو ما أراه من أن تلك المرأة العاملة العاقلة ليست كذلك ممن تتعالى علي عشيرها بما تبذل من جهد أو تشارك به من فضل، فإن من أهم أسباب الشقاق بين الزوجين في هذه الأيام هو ما كان من عمل المرأة وحصولها على دخل خاص تراه حقّا لها من دون بيتها أو أهلها، فهي تريد أن تستأثر به لتنفقه على زينتها وأغراضها دون مشارك، بل هي تعرج على زوجها فتطالبه بالسعة في النفقة وأن يهبها "مصروفا" وأن لا يبخل عليها بمال أو نفقة! وهو موضوع قائم بذاته سيحين أوان الحديث فيه فيما يأتي من لقاء، وما يعنينا هنا هو أن ورود السؤال من تلك المرأة بالذات يحمل ذلك المعنى، معنى الكدّ والكدح من جانبها ومعنى أنها لم ترى وجه النقص لأول وهلة إذ أنها تقضي ما عليها من مشاركة في أعباء الحياة دون أن تطالبَ بالخدم والحشم أو بالرفاهة والمتعة.

ثم نأتي، ثانيا، إلى موقف سائر المسلمات من الحديث، فإن إحداهن لم تقطب جبينها ولم تلتوي بعنقها إبداء ا للاستياء وإعرابا عن القبول الكاره أو حتى عن عدم القبول، بل بدأن على الفور في معالجة الأمر وتدارك النقص وتصديق خبر الرسول دون إبطاء، فنـزعن حليّهن وقروطهن وتسابقن في التبرع بها دون مجادلة في ماذا ولماذا، ذلك والله هو محض الإيـمان. أما اليوم فلا تكتفي المسلمات المتحضرات! بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما يناقشن في الأمر بعد ثبوته، وهو ما يضاد محض التوحيد الذي هو التسليم لله ورسوله جملة وعلى الغيب دون مماراة وتمحك، ثم السؤال عن معناه وحكمته بعد تمام التسليم له قلبا وقالبا، قال تعالى:"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شَجَرَ بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حَرَجَا مما قضيت ويسلّموا تسليما" النساء 65.

وقد كنت أرجو أن يتسع الوقت لندلف من هذه المقدمة إلى ما يحمل الحديث من معانٍ وما يقدم من وصـايا، إلاّ أني أحسب أن الوقـت قد أزف للانصراف، فما يليق بالمرأة المسلمة أن تبقى خارج بيتها إلى ساعة متأخرة من الليل ولو كانت في مجلس علم أو ذكر". فأومأن موافقات ثم انصرفن راشدات على أمل اللقاء.

د. طارق عبد الحليم