إزالة الصورة من الطباعة

نموذجان فريدان من نماذج أهل الدعوة ... !

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد   نموذجان من كتابات أهل الدعوة في أيامنا النكدات هذه، لعل فيهما تبرير ما تعانيه الحركة من فشل مستمرٍ، فلا يكاد يستوى لها عودٌ، بل تترنح تحت وطأة فكرٍ مضطرب مشوّش، أصحابه في خصامٍ مع أنفسهم، لم يستقر لهم رأي أو حال.   (1)   أولهما، شيخٌ فلسطيني من شيوخ اللوغاريثمات، يدهشني، لا زال يدهشني، رغم ندرة ما يدهشني من دنيانا هذه، في عمري هذا! بكلام، والله لم أفهم له مقصداً ولا معنى متقارباً، يستقيم مع دعواته القريبة العهد، بتبني الوسطية السياسية والدعوية، وشمولية الدعوة "للأمة"، بما فيها خَرِبِي العقائد، ممن يمتطي وسائل الجاهلية للوصول إلى الإسلام، كمرجئة العصر الحديث، بل مدحه العميق لعدد ممن حطّ عليهم بِخُفِّه الثقيل من قبل، هجوماً عليهم وتضليلاً لهم. لهذا لا يمكن أن يخرج القارئ لمقال ما لهذا الشيخ، برأيٍ ثابتٍ عن أي موضوع كان!   وهذه موهبة لا أقلّل من قدرها، إذ تجعل القارئ، مهما علت درجة فهمه وعلمه، غير قادرٍ على أن يمسك بطرف فكريٍّ لهذا الشيخ العجيب، فيلزمه به في حالات فشله وخطئه، التي هي الأصل كما وجدنا مع الأسف، أو يهنؤه عليه في حالة صدقه وصحة استشرافه، وهو ما لم نره بعد! ففي مقال أخير، قرر أنّ "تعتبر تركيا بنموذجها الحالي حلماً في تحقيق دولة الرفاه من خلال مقاربة الإسلام للعلمانية، ولعل ابتلاءها بقربها من حالة جهادية إيمانية في الشام نموذجاً للهلكة بزوال مقاصد دولة الإسلام فيها.   دولة مآسورة للإطار الجاهلي، ولآلياته، ويعيش قائدها ألف خوف لو أراد أن يتحرك أو يقول إسلاماً (وانظر إلى التدليس النبنيّ على الوهم الذاتيّ، كأن قائدها يريد أن يقول إسلاماً، لكن المسكين يخاف ظلماً وهضماً!)، ومن أسباب ذلك ما لو صح إسلامه (وانظر قوله هذا، تعرف ما أقصد، "ما لو صحّ إسلامه!، فهل هو مسلمٌ أم غير مسلمٍ، أم منزلة بين المنزلتين!) أنه حمّل ألف ثقل (تبريرٌ ترقيعيّ) وهو يسعى للوصول للسلطان من طريق الجاهلية" اهـ بنصه!   وفي هذه الجملة البسيطة تجد المتناقضات كلها، وترى خلطاً عجيباً بين الحقِ والباطل، فلا يمكن لقارئ عاقل، مدقق، فاحصٍ، أن يفهم ما يريد هذا الرجل أن يُقرر في نهاية الجملة! هذا مثال لجملة واحدة، دع عنك بقية ما قال، مما لا معنى له، يستوى على مدارج العقل. حتى حين يضرب مثالاً ببيعة المدينة، وفتح مكة! لا ترى ما المقصود هناك! ضلال طريق الانتخاب، وضرورة جهاد الطواغيت من حكام العرب!؟ إذا فأين التجديد الذي سمعنا عنه منذ خرج الرجل بدعوة أنّ الشيوخ "القدامي"، الذين لم يتعدّوا هذه المقولة فتيلا، يجب أن يموتوا وينقرض جيلهم، لبعدهم عن التجديد الذي جاء به هو "مجدد" القرن الخامس عشر!!!   (2)   وفي جانب آخر، ونموذج آخر، تقرأ لأولئك "المتفائلين"، الناشرين للآمال "المزعومة"، وذوي الأحلام الوردية، فتجدهم يرمون مخالفيهم من أهل الواقع المُعاش، المحسوب بمقياس الأسباب والمُسببات، بدائهم الأصيل، فيزعمون أنّ أهل الواقع هم أهل أحلام ومثالية، ينتظرون الرجل العظيم المُخلّص، أو قل المهديّ المنتظر، إمام الورع التقوى والصلاح والجهاد، ولذلك يثبطون كلّ من ليس على هذا النهج والمنوال!   لكنك إن تمعنت قليلاً في قراءة ما بين أسطر القوم، وجدت أنّ هؤلاء بالذات هم أصحاب الأحلام الوردية، والأوهام الضبابية والآمال الكاذبة الخطيرة المآل، التي تتغذى على تصورات لا واقع لها، يساند أيّ نتيجة يريدون أن يصلوا إليها بوسائلهم.   فهؤلاء "الآماليون"، يحلمون بأن الرجال التي "تقربهم" من حكم الإسلام، بأقوال "شبيهة" بما في الإسلام من معانٍ، وكلماتٍ فيها "ظلال" مما في القرآن، هم من سيحقق لهم وسيلة للسلطان والتغلب السياسي، على مذهب "شئ أفضل من لا شئ" كما يُقال! فإن لم يكن هذا هو الحلم والوهم والأمل الخدّاع، فخبّروني ماذا يكون!؟   والأمل، إن لم يسانده عمل، فهو مذموم على الدوام "ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ". فالأمل، إن لم ينبني على عمل صحيح، واقعيّ، مطابقٍ لسنن الله الكونية، هو إلهاء عن الحق، وتضليلٌ للخلق، لا أكثر ولا أقل!   د طارق عبد الحليم 22 سبتمبر 2019 – 21 محرم 1441