إزالة الصورة من الطباعة

طبقات المدونين في ألوان العلم والدين

طبقات المدونين في فنون العلم والدين ..

المفترض، الذي يتوقعه القارئ من هذا العنوان الضخم، أن ما سيأتي موسوعة في رجال التدوين بشكلٍ عام، على غرار كتب طبقات الرجال في اسانيد الأحاديث! لكن ظنه يسخيب حين يرى أنني أريد هنا فقط أن اُصنّف تلك الطبقات، حسب تقسيم محدد ارتضيته ابتداءً، وهو طبيعة موضوعات البحث بالذات، وحقلها. وهو موضوع العلوم الإسلامية، ثم أخص منها موضوع الحركة الإسلامية. فيكون العنوان من نوع العام الذي أريد به الخصوص، بتعبير الأصوليين!

فالمدونون، أو الكتاب بمعنى آخر، هم من يكتبون في العلوم المختلفة، من أدب ولغة وتاريخ اقتصاد واجتماع وسياسة وتربية وغيرها من العلوم المتعلقة بما سبق. وهؤلاء يشكلون الكمّ الأكبر من الكتاب. وهم كذلك من يشكل الوسط العلمي في الجانب الأدبيّ والفكريّ من الحياة الإنسانية.

ثم هناك، من هؤلاء، المدنون في الناحية الشرعية الإسلامية. وهؤلاء كذلك تجد فيهم من يدوّن في الحديث والفقه وأصوله والسياسة الشرعية والتاريخ الإسلاميّ، والقضاء والدعوة، وفي الفرق والحركات الإسلامية.

وهؤلاء الأخارى، ينقسمون إلى قسمين، قسمٌ يكتب في تلك العلوم، من الناحية الأكاديمية البحتة، التي لا تتصل بأي واقع حيّ مباشر، وإن كانت هي الأساس للتعامل مع أي واقع حيّ مباشر. وأكثر هؤلاء لا صلة لهم بالحركات الإسلامية ومضمارها. ومن أمثالهم الشيخان الأخوان محمد ومحمود شاكر والشيخ محمد أبو زهرة والشيخ الأمين الشنقيطيّ، ومحمد نجيب المطيعي، ومحمد حامد الفقي وشعيب الأرنؤوط ومالك ابن نبي وجمال كشك ، وسليمان العلوان والشيخ أبو العلا الراشد، وكثير جدا من الأعلام الأكاديميين، خاصة في الجامعات الكبرى، فأثروا الحياة الإسلامية بأعمال، منها ما كان فيه الجدّة التامة، ومنها ما كان تسهيلاً وتبسيطا لما لم تعد مِعْدة الأجيال الحديثة تهضمه، بسهولة!

ثم من هؤلاء من كتب، أكاديمياً، من داخل إطار الجماعات الإسلامية، عاملا فيها، مثل سيد قطب وعبد القادر عودة والشيخ عبد الكريم زيدان، وراغب السرجاني، والشيخان عبد المجيد الشاذليّ ورفاعي سرور، والشيخ محمد سرور، ود سفر الحوالي (وإن عدّه البعض خارج تلك الدائرة، إلا أن معرفتي الشخصية به جعلتني أصنفه في هذا القسم، فترة من حياته على الأقل). وهؤلاء تميزت كتاباتهم بالاهتمام والتركيز على العلوم الإسلامية بالذات، كالتاريخ والعقيدة والفرق والدعوة والفقه وأصوله.

ثم يأتي هؤلاء ممن كتب متخصصا في شؤون الجماعات الإسلامية، سواء من داخلها أو من خارجها، كثير منهم كان من داخل الالتزام الجماعيّ. وممن كان من الملتزمين د سيد إمام (قبل انحرافه)، الشيخ الحكيم د أيمن الظواهري، والشيخ مصطفى عبد القادر (المعروف بكنية أبو مصعب السوريّ)، وجمال إبراهيم زوبي (المكنيّ بأبي عطية الليبي)، وغيرهم ممن تناول بعضهم الشيخ د هاني السباعي في سلسلته "منظرو الحركة الجهادية"، وإن انتسبوا لتلك الحركة بالذات.

قسم خلط في التدوين بين المجال الأكاديميّ  ومجال أدبيات الحركة الإسلامية. وقسمٌ التزم بالتدوين في أدبيات الحركة الإسلامية وما يدور حولها من موضوعات لصيقة بها، لا يتعداها.

فمن القسم الأول، ممن كانوا خارج الالتزام الجماعيّ، أمثال الشيخ د هاني السباعي، الذي تنوعت كتاباته على كثرتها بين القضاء الشرعي واللغة والتاريخ، إلى جانب ما يختص بالحركة الإسلامية عامة، ومئات من الشرائط في العلوم المختلفة، فأجاد. ومثل كاتب هذه السطور، حيث تنوعت كتاباته بشكل عريض، بين أكاديميّ بحت، في علوم الإجتماع والإدارة والتاريخ والفرق والأصول والعقيدة، وبين متعلقٍ بالحركات الإسلامية، كتدوين تاريخ الثورات المصرية والشامية، وبعض كتابات موجهة للتأسيس الجماعي، والتربية والعقيدة ومصطلح الحديث وغيرها. ثم الشيخ عمر محمود المكنىّ بأبي قتادة الفلسطيني، الذي كتب عديداً من المدونات، أكثرها تحقيقات لكتب أثرية، وبعضها جديد في علوم الرجال والتفسير وغيرها، فأجاد.

ومن أمثال القسم الثاني، ممن لم يلتزموا بجماعات، الشيخ عاصم البرقاويّ المكنىّ بأبي محمد المقدسي، والذي تخصص في الكتابة في علم التوحيد لا يعدوه فأجاد.

أما غير ذلك، من المدونين، فهم إما من طلبة العلم المخلصين في طلبه، هم أصحاب الجيل القادم من العلاء إن شاء الله، أو هم رويبضات العلم، الذين يستخدمهم البعض، للتطبيل والترقيع، وهؤلاء هم من وصفهم ابن القيم "طبقة كلّ متكلفٍ متخلف متدني بنفسه".

والله المستعان

د طارق عبد الحليم

17 ابريل 2019 – 11 شعبان 1440