إزالة الصورة من الطباعة

لا والله، وهِموا ثم وهِموا ثم وهِموا ...!

قالوا "نعمل على تجميع الأمة على مذهب "يعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه"ّ وأسموه جهاد الأمة ..! وزعموا أن نصر صلاح الدين لم يكن إلا بجمع كافة الطوائف لتحارب الصاليبيين، بلا تفرقة ...!

اشترك في هذا التوجه أمثال الشيخ الشاب المحيسني والشيخ الفلسطينيّ والإبن الكتاني وغيرهم من أمثالهم....

قَفوا ما ليس لهم به من علم، واتبعوا الوساوس والأوهام، بل ودلّسوا، إما بعلم أو بجهل، وكلاهما مصيبة!

إن من حمل موقف صلاح الدين، في زمن صلاح الدين، ودولة صلاح الدين، وبيئة صلاح الدين، ليستدل بها على موقف اليوم وزمنه ودوله وبيئته، لهو ظالمٌ جاهلٌ مدلّس، لا غنى فيه ولا نفع منه ...!

صلاح الدين، الذي كان يحكم في بلاده بشرع الله، وإن اختلفت الطرق في داخل طوائف الأمة، فمنهم الأشاعرة، ومنهم الصوفية ومنهم الماتريدية .. رفع السلام، لا سلمية، في وجه عدو الله وعدو المسلمين.

وماذا يضير الجهاد حين يصطف من قال في الصفات بقول أهل السنة في الإثبات والتنزيه بلا تعطيل، وبين من أول بعضها، فيحاربوا جنبا لجنب؟ وماذا يضير الجهاد إن خرج الصوفي، الذي يحضر حلقات الذكر، يترنم بالسماع، ويحيا في شظف العيش، ويذكر اسم الله المجرد، وسائر بجع الصوفية، عدا الحلولية الملاحدة، يحارب إلى جوار السنيّ؟

ثم يأتي خّبِلٌ مُغرضٌ، ساعٍ لشهرة وأتباع، يشتريها بماله، أو بدندنة وشنشنة فارغة، فيصور أن هذا الذي فعله صلاح الدين، من باب "يعذر بعضنا بعضا فيما اختلفتا فيه"، وخروجه في "الأمة" بلا تفرقة، هو من باب ما يجرى اليوم على أرض المسلمين ..

يا مهابيل القوم وصرعاء الفكر والدين .. ما لكم كيف تحكمون ؟!

إن الختلاف اليوم، ليس في تأويل صفة، أو في حضور حلقة ذكر ..

الاختلاف اليوم هو في أصل دين الله، الذي هو توحيده وإفراده بالطاعة ..

الاختلاف اليوم بين طائفة ترى أن يكون حكم الشعب للشعب، وطائفة ترى أن الحكم لله، لا للشعب.

الاختلاف اليوم بين طائفة ترى أن حرية الدين والاعتقاد هي "لا إكراه في الدين"، وطائفة ترى أن " وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ۚ".

الاختلاف اليوم بين طائفة ترى أن موالاة أعداء ىالله الصريحة بل وإعانتهم على نشر كفرهم هو من "سماحة الدين" وطائفة ترى الفرق واضحاً بين موقفين "لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" وبين " إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ" ، كلّ له حكمه وظرفه.

الاختلاف اليوم بين طائفة تقول: كلّ من نطق الشهادتين مسلماً من الأمة التي يجب جمعها لحرب العدو، ولو صرح معها بالعلمانية والليبرالية والديموقراطية، وعاند الشرع والدين، وبين طائفة ترى أن "لا إله إلا الله" عنوان للتوحيد، له مقتضى إما أن يتحقق أو يكون نكقها كعدمه، كما ينطقها النائم والمجنون، بلا ممعنى ولا مضمون.  

الاختلاف اليوم بين طائفة ترى أن الإسلام اسلامين، إسلام سياسي، لن يحاربوا معه عدو ولن يقفوا في صف من يقول به، بل يعادوه ويقاتلوا من يقول به، وإسلام شعائر، يمكن فيه الصلاة بصمت بلا آذان يزعج الآذان، وبنساء عاريات سافرات، يمشين بجوار المحجبات والمنقبات الطاهرات، وطائفة ترى أن الجمع بين هؤلاء مستحيل، بل هو برود وذهول عن الواقع ومخالفة لجين الله وللسنن والفطرة، وكل ثابت محكيّ في التاريخ.

فهل لا نزال نرى معنى لجهاد الأمة عند من يقول به، وهو لا يعي ما يقول!.؟

وهل لا نزال نرى إننا لن نفلح حتى نفعل ما فعل الدين، بزعمهم الواهم!؟

فإن كنتم من الطائفة الأولى، فصرحوا ولا تلمحوا، ولا تكونوا جبناء في مذهبكم، بل كونوا كالعلمانيين والليبراليين، قولوها، نعم، هذا هو توحيدنا المعتدل الذي سيجمع الأمة .. أمة الطائفة الأولى .. فسنرد عليكم بقول إبراهيم عليه السلام " إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ".

وإلا فاخنسوا واصمتوا إن كان فيكم بقية حياء من الله أو خجل من الناس

د طارق عبد الحليم

17 مارس 2019 – 10 رجب 1440