إزالة الصورة من الطباعة

قولة حقٍ .. في حق من ظُلِم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد

لم أعرف الرجل معرفة شخصية، لم أقابله، لم أتحدث اليه، لم يكن بيننا صلة أو اتصال يوما ما، إلى يومنا هذا. لكن الرجل يُعرف من صفاته، وآثاره، من تصرفاته وتطابق أقواله وأفعاله، من تضحياته وعطاءاته، لا يخطؤها ذووا القلوب السليمة، فيلتقون دون لقيا، ويتعارفون دون تعارف. عن الحكيم أتحدث.

والحكيم من جيلي الذي أوشك على الإنقراض، فأنا أكبره في العمر ثلاث سنوات لا غير. وطبيعة البيئة التي نشأ فيها في مصر قريبة من طبيعة البيئة والوسط الاجتماعي الذي أتيت منه. وهو ينحدر من أسرة عريقة في الدين والعلم والحسب. فلا يمكن أن يُلصق باتجاهه وفكره أيّ من التعلّات المريضة عن عامل الحاجة الذي يدفع المسلم إلى "التطرف".

وقد بدأ د أيمن وعيه الديني والسياسي منذ كان في الثانوية، وكنا في الجامعة وقتها، نتظاهر لأول مرة ضد عبد الناصر عقب نكبة 67. لكن نشاطه الحقيقيّ تبلور في عام 1973، عندما تكونت جماعة الجهاد، وامتد خلال ربع قرن يحمل رايتها، حتى بعد تعاونه مع أسامة بن لادن رحمه الله.

وقد دخل د الظواهري السجن وهو صغير في الثانوية، فترة قصيرة، ثم أكمل دراسته في الكلية حتى حصوله على ماجستير الطب عام 1978[1]، ثم كان اعتقاله في عام 1983[2] على خلفية مقتل السادات، لكن أفرج عنه في 1985 لعدم توفر أدلة. وسافر الدكتور إلى السعودية ثم افغانستان حيث شارك ابن لادن في تأسيس القاعدة، وكان حجر أساس فيها، ومنظرها الأول، حنى تولى قيادة القاعدة بعد استشهاد الشيخ أسامة عام 2011.

وتاريخ حياة الحكيم معروف مدوّنٌ كعلم من أعلام هذه الأمة في عصرنا الحاضر، لا يرقى له إلا أفرادا تُعد على أصابع اليد الواحدة، لا غير، أن بقي منهم أحد على قيد الحياة. ولست هنا بمدوّنٍ سيرة حياة، ولكني مُعرّف بمعالم شخصية ومفاتيح نفسية، قل أن يجود بمثلها عصر من عصورنا الحديثة التعيسة، التي سمحت لأورام خبيثة منحطة علما وعملا وخلقا، أن تتعدى على هذا العَلَم، وتصحح له عمله بل وتدلّه على ما كان يجب عليه فعله! فحسبنا الله ونعم الوكيل.

ترك وراءه إرثا من عائلة غنية شهيرة، وعملاً ورزقاً حسناً، بمعايير الدنيا، وذهب يُنْظِّر ويُنَظِّم ويَنْظُم. شعارُه "كفاح وكتاب". لم يتخذ من سنيّ سجنه شعلة يصنع بها اسماً أو يجنى مجداً ولقباً، كما فعل الكثيرون من غيره. بل اعتبرها بسملة في أول طريق جهاده، وتضحية تعبّر عما يستعد له في قابل أيامه من تضحيات عِظام، لا يعرفها إلا من عانى مثلها، أو من رُزق قلباً نظيفا سليماً من الأحقاد والحسد.

شئ في وقفة الرجل تراها على جسده وفي عينيه. هيبة، شموخ، إباء، تصميم، ثقة بالله، همة وتصميم، مع جمّ الأدب، وعلوّ الخلق وأصالة التربية، تعرفها في كلماته، وتعامله مع من خالفه أو من خانه، وكثير ما هم في هذه الأيام التعسات..

رجل عرف طريقه من الصغر، لم ينحرف ولم يتقلب. لم يتغير ولم يتبدل. ثابت على مبدئه كالصخر في مواجهة أمواج عاتية. لا يعيش كما يعيش الناس، في بيت وغرفات مغلقة عليه وعلى أسرته. بل في كهوف الجبال ومغاراتها. ينتقل من مكان إلى مكان، حاملاً معه أسرته، ومجاهديه، وهمّ أمته كلها، مدة أربعين عاماّ!

رجلٌ أراد الله أن يُبتلى فوق ذلك باستشهاد زوجِه وثلاثة من فلذات كبده، في غارة صليبية حقيرة عام 2001، فلم تخر له عزيمة ولم تضعف له همة، ولم ينكسر له جناح. فاستمر لا يبالى. يفعل ما يراه حقاً في ذاته، ومصلحة لأمته.

رجل ظُلم كثيراً من جيل نشأ في غيبة العلم وانتشار الجهل، والتعصب، وتحدث الرويبضات، الذين ظنوا أن القدح في الشيخ يرفعهم درجة أو درجات. وهم لا يعلمون أنهم في قاع لا يرتفع فيه رأس، في قاع ظلمات متراكبة بعضها فوق بعض. نعم يتوددون لهذا "الشيخ" أو ذاك، فيسمعون ما يعتقدون أنه لهم تكريم بلا مَكْرُمة، فيتطاولون على من اكتسب لقب حكيم الأمة بقيادته لتنظيم مدة أربعين عاما، من مصر إلى أفغانستان إلى السودان إلى أفغانستان، وهو مطلوب من أعتى مخابرات في دول العالم أجمع.

ورحم الله مالكا حيث قال "كل يؤخذ من كلامه ويُترك إلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر نبينا الأعطم محمداً ﷺ. نعم، كل بشر يصيب ويخطئ، وليس كلّ فعل أقدمت عليه القاعدة نوافقها عليه. لكن من الذي يصوّب أو يُخطّئ قولاً أو تصرفاً لقمة من قمم تاريخنا الحديث؟ أصفار وأشبار، لا قيمة لهم بكل معنى لهذه الكلمة من معان؟

لم يبدل الحكيم موقفاً أبداً. ولا أريد أن أدخل في تفاصيل بيعاتٍ أعطيت للشهيد أسامة وله من بعده، سراً، ثم دعسها من دعسها من الحرورية، ثم حين استصرخ الأرنب يختفى تحت عباءة القاعدة، ويُعلن مكتوماً دون إذن، ثم ينقلب بعد ذلك، ويدلّس ويكذب على موتى، وبعض الأحياء اليوم يشهدون. فيخرج الحكيم يوضح أنه لم يحلّ أحداً من بيعة، ولم يغيّر موقفه. لكن زنة عقله تجعله لا يقف أمام هذه الخيانة التي تزري بعدالة الرجال، وتمنع شهادتهم، فيحرّض على جمع الصف، والوقوف أمام العدو الصليبي الصهيوين المجوسي الروسي، تحت راية واحدة تعمل للإسلام، لا للمعابر!

والعيب ليس على من سبّ وغمز ولمز. بل العيب كل العيب على من جرّأ تلك المتسلقات البشرية والقيعان العلمية أن تستهزأ برجال، لو بصقوا لكان بصاقهم أرفع قيمة من هؤلاء الأصاغر مجتمعين. صبيان يتخايلون بأن بعض صبيان ساحة جهادية حديثة، لا يزيد عمرهم الحقيقي عن أربعة وثلاثين عاما، وعمرهم الجهادي عن ثمانية أعوام، ليس إلا، يجعلونهم قدوة ويلمزون بهؤلاء الكتاكيت الجهادية، ومنها الخائن المدلس، الرجل الذي حكينا سيرته ومسيرته وخلقه.

كلمة حق دونتها، غضباً لله، ولولي من أوليائه المجاهدين الصابرين الصامدين، لا يلينوا ولا يخضعوا، ولا يؤثرون السلامة بالصمت وقت الحاجة للبيان، أو بالبيان دون حاجة لجهلهم!

ولينصرنّ الله من ينصره.

د طارق عبد الحليم               19 مارس 2018 – 2 رجب 1439     


[1] وهو العام الذي أصدرت فيه كتابي الجواب المفيد

[2] وكنت وقتها قد خرجت من مصر لعلمي بصدور أمر توقيف متعلق بمقتل السادات كذلك.