إزالة الصورة من الطباعة

قيام دولة الإسلام .. بين الواقع والأوهام – دراسة سياسية تحليلية 11

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد

حتى نستأنف البحث، ونصل به إلى نهاية محددة، فيحسن أن نذكر باختصار بعض ما ناقشناه من قبل. فقد قررنا من قبل:

  1. أننا حين تستعمل كلمة "المسلمون" هنا، فإنما نعنى أولاً السنة، وثانيا، من هم منهم محبٌ لله ورسوله، لا يعاديهما ولا يقف في وجه تطبيق شريعة الإسلام، ولا يوالى المرتدين والكفار ضدهم، ويحزن لقتل المسلمين في أيّ بقعة من بقع الأرض. أمّأ خلاف ذلك، فهم مرتدون خارجون عن الملة، وإن كانت وسيلة التعامل معهم تختلف بإختلاف درجة عدائهم وقوة تأثيرهم، بدءاً بالدعوة لإيضاح الحق، حتى إقامة الحدّ الشرعيّ المناسب، حين تتحقق الشروط وتنتفي الموانع.
  2. التنبه إلى حقيقة أن المسلمين محاطون بالأعداء من كلّ جانب، داخليا بحكامهم، وخارجيا بالقوى المجوسية أو الصهيو-صليبية.
  3. أنّ الاستعمار العسكريّ لبعض دول الخليج يمثل ضغطاً أكبر على المسلمين في محاولاتهم لكسر هذا الحصار.
  4. أنه من العبث الطفوليّ أن يصرف الناس جهدهم في الحديث عن غزو الغرب، وتدبيرات تفجيرات هنا وهناك في بلادهم، فإن ذلك يعتبر من قبيل الطاقة السالبة لا الموجبة، فإن مثل هذا الأمر، يضيع جهداً وأرواحاً مسلمة دون مقابل على الإطلاق، إلا حفزهم على زيادة الترتيبات الأمنية، والبقاء في حالة استنفار بشكلٍ دائم. وقد ناقشنا هذا الأمر بالتفصيل في مقالنا "عن الجهاد والمقاومة.. نظرة فقهية تطبيقية"[1]، المنشور في أكتوبر 2009.
  5. أن الخيارت المطروحة أمام المسلمين السنة اليوم ليست بكثيرة ولا هي عظيمة آملة. إنما المسلم اليوم، في واقعنا هذا، عليه أن يستجلب النصر باستحضار الإيمان، وبإعداد العدة، وباتخاذ الأسباب الصحيحة، وهي نقطة جديرة بالتأمل والاعتبار، إذ إن الكثير يردد نفس هذا القول، ولكن يستعمل الأسباب الخاطئة، كما فعلت الإخوان بالارجاء، وفعلت البغدادية بالحرورية. وكلاهما ساقط فاشل.
  6. أنّ الواجب إعداد موضوع "الدولة" قبل إعلانها، و"تمكين" أميرها قبل تنصيبه. وهو ما ناقشناه في أبواب التمكين وأهل الحلّ والعقد.

من هنا فإننا نرى أنّ الخيارات التي أمام المسلمين ، للتعامل مع الداخل والخارج محدودة بحدود قوتهم، ومهارتهم، وتقواهم لله، ومراعاتهم لسننه الشرعية والكونية.

الخيار المطروح للتعامل مع أنظمة الداخل المرتدة:

وتتحدد معالم تلك الخيارات حسب درجة نضوج الحركة الجهادية داخل تلك البلاد فمثلاً في سوريا والعراق أو أفغانستان، حيث تطورت الحركة الجهادية إلى تحقيق معادلة حقيقية على الأرض، غيرها في مصر أو الأردن أو الجزائر، حيث الحركة الجهادية تكاد تكون معدومة، أو مطحونة بالنظام طحناً كاملاً.

وفي كافة الأحوال، فإن التعامل مع النظام يختلف في طبيعته عن التعامل مع الشعب المسلم. ففي الحالة الأولى، يجب على الحركات الجهادية أن تفرّق بين أبناء الشعب المسلم، وبين العدو المقاتل من جنود النظام ومناصريه. أمّا عن حق الشعب المسلم عليهم فهو أن تكون هجماتهم على النظام نوعية على الدوام، لا يتأذى بها مسلم، إذ ليس في الإسلام ما يسمونه "إصابات عارضة"[2]، إلا في حالات خاصة جدا ناقشها العلماء، وفيها اختلاف، كرمي الترس، وهي ليست من المناطات التي نتحدث عنها. كذلك يجب أن تكون تحركاتهم واضحة الهدف، صحيحة الوسيلة، تصدر بها بياناتٍ موضحة شارحة للعمل وما تحقق منه، بعد وقوعه، حتى لا يتخذه العدو وسيلة للتأثير على الجهلة من العوام، وما أكثرهم!

وما يجب أن يحذره المجاهدون هو تلك "الاستراتيجية العسكرية"، التي تتعامل مع الشعب كأغنام تساق إلى تطبيق الشريعة، حسب زعمهم. بل يجب أن تكون الرغبة متحققة في الحاضنة المسلمة، إذ بدونها يصبح جيش المجاهدين كأنه جيش غزو واحتلال، تحت أيّ اسم كان. وسرعان ما ينتفض الشعب على خانقيه، سواءً بحق أو بباطل، فيخرج على الإسلام، ويصبح هؤلاء مدعاة للردة من حيث أرادوا نشر الإسلام! إن نشر الإسلام وتطبيق الشريعة يجب أن يكون نابعاً من رضاء الأغلبية، كما رأينا في المدينة المنورة، تلك الحاضنة المسلمة التي أمّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً وقبل كلّ شئ، ثم انطلق بعدها للغزو والفتح. ولو كان الأمر على غير ذلك التصور، لرأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمّع مجموعات قتالية في مكة، ويحارب ويغتال المشركين، ثم يسيطر على أجزاء منها، ويقيم عليها "خلافة"!. هذا ليس منهج النبوة، ومن ثم فهو منهج فاشل دنيوياً وتطبيقياً، إذ إن الباطل شرعا، فاشل وضعاً، ومن ابتغى التمكين بغير وسيلة السُّنة، ضاع منه الدين والدنيا جميعا، كما نرى اليوم في منهج الإخوان الساقط، وحركة الحرورية البغدادية.

إن اكتساب الحاضنة الشعبية، إلى جانب العمليات الجهادية، هو الطريق إلى بناء الدولة الإسلامية. فإن العدو الخارجي غاية قي القوة عدة وعتادا وتقنية. ومن غير أن يتبنى أبناء الشعب أيديولوجية التوحيد، ونصرة المجاهدين، فسيظل هؤلاء كأنهم "خارجون عن القانون"، لا يعينهم أبناء الشعب بسلاح أو مال أو سترة أو معلومة. ومن ثمّ، وجب "تجنيد" العامة بالدعوة، والشرح والبيان، دون أن يلزم من ذلك أن يحملوا سلاحاً، فالمجاهدون يقومون بهذا القدر، لكنه "تجنيد معنويّ"، ينشأ عنه التعاطف والإعانة والمساعدة بكلّ أشكالها.

إن عملية التعامل مع النظم الداخلية المرتدة، ومع الحاضنة الشعبية "المسلمة" هي عملية هدم وبناء، سلب وإيجاب، تماماً كالنفي والإثبات في "لا إله إلا الله". هدم للنظم القائمة على الأرض، وهدم للعقائد الخربة في النفوس، ثم هي عملية بناء نظمٍ بديلة على الأرض، تقيمها نفوس مستنيرة واعية بمعنى الإسلام ومقاصده وأهدافه، بعد تجدد فهمها للإسلام وانبعاث أملها في عدله وكمال شرعه. والمجاهدون لن يتمكنوا، مهما كثر عددهم، أن يراقبوا كلّ وزارة أو ديوان أو محل عمل. وهم لن يقوموا بدور البوليس العقدي في كلّ حين، كما يحدث اليوم من مهازل إصدار "صكوك التوبة" في الدير! والله هذا نهج آباء الكنيسة الكاثوليكية في القرون الوسطى الأوروبية المظلمة، يتبناه من يدعى السير على هدي محمد صلى الله عليه سلم. التوبة ليس لها صكوك، والتحلى بالإسلام لا يمكن أن يُفرض على شعب كامل، أو غالبه.

الخيارات المطروحة للتعامل مع قوى الخارج:

الكلام "ببلاش" كما يقول المثل المصري العاميّ. ومن ثمّ فإنا نسمع ترديد العوام، ، لكلام مثل أنّ المجاهدين سيغزون اشنطن ونيويورك ولندن، وكيف سيركع أوباما أمام "الخليفة"، وكيف سيأتون برأس الملوك والسلاطين .. الخ، مما يملأ مواقع التواصل الاجتماعيّ، خاصة من تبخّرت عقولهم من حديث الخلافة والدولة، تلك الفقاعات الصابونية والزوابع الفنجانية، التي رأيناها مؤخراً في العراق والشام.

وهذا التبسيط للواقع العالمي، ومعطياته وأبعاده، والتهوين من قدر العدو المترصد، وقَصْرِ النظر على البيئة المحيطة، يؤدى بطريق اللزوم إلى سياسات تقوم على المجازفات. والحقيقة أنّ عدم تقدير قوة العدو الحقيقية، دون تهويل أو تهوين، هي الكارثة الأكبر في مسار أية محاولة لإقامة دولة إسلامية في محيط الكفر العام الذي يعيش فيه المسلمون. إن الخطر الأكبر على تحقيق هذا الهدف هو ذلك الخيال الواهم الذي يعيشه الأكثر من أبناء الإسلام، المحبين لله ورسوله، والقادرين على المجالدة والصراع، وَهْمُ أننا لا نزال نحيا في القرن السابع الهجريّ، بوسائله ومعادلاته وطرق حربه وسلمه. هذه هي القاصمة. فأنت تسمع، ليس عواما فقط، بل قيادات بزعمهم، يتحدثون عما تحكيه كتب التاريخ من مواقف الصحابة أو قادة المسلمين في عز علو الإسلام، ويتصورون أنّ هذا الأمر ممكناً، اليوم، أن يتحقق. ووالله ليس هناك لنا أمل أعزّ من هذا، لكن العقل والعادة والواقع يأبون إلا أن تسير الأمور حسب سنن الله في علو القوم وهبوطهم، ومن ثم سطوتهم وعزتهم. فهؤلاء كانوا في عزة ونحن اليوم في ذلة. هؤلاء صَفَتْ لهم السنة، ونحن قد عُجِنت عقيدتنا بالبدعة، أو غالبنا.

وقد كان من تأثير هذا الانحطاط والتردي، والسيطرة الغربية على عالمنا الإسلاميّ، أن فزع المخلصون من الشباب للتاريخ، للماضي، يحيون فيه، من حيث أنه أسهل عليهم من التعامل مع الواقع من ناحية، وأحيا للكرامة وأحفظ لعزة النفس من ناحية أخرى، فتسموا بأسماء السلف وكنياتهم، ومظهرهم وملبسهم، من باب غريزة حب البقاء، التي تجعل هذه الأفعال، فيما يرون، تضمن استمرار بقائهم، وحفظ وجودهم.

لكنّ هذه الظواهر النفسية، لا تجدي نفعاً حين يأتي وقت الصراع الحقيقيّ. بل إنه من لزوم النصر أن يعود المسلم ليحيا في الواقع الحاضر، وإن احتفظ بماضيه يستلهمه الرؤية الصائبة ويتخذه درعاً واقياً من الانزلاق في مستنقعات الحضارة المعاصرة، فالماضي يمثل جذور البقاء، والحاضر يمثل أوراق النبت وثماره، تحيا في شمس الواقع، وتتحمل ريحه وتقلبات طقسه.

والشرع هو الشرع، في الماضي والحاضر، وفي المستقبل. إنما الأمر هو أنّ الواقع الماضي يحمل مناطات تختلف عن مناطات الحاضر، فالأحكام العامة ثابتة، والفتاوى تتغير. ومن الأحكام ما يستجد حسب الحاجة، وحسب الحالة.

أما وقد قدمنا بهذه المقدمة، فإننا نرى أنّ أمام أيّ كيان إسلاميّ وليد، ثلاث خيارات في التعامل مع القوى الخارجية التي تتحكم اليوم في مفاصل السياسة والاقتصاد وتحوز القوة العسكرية الفائقة.

  1. الفهم الظاهري والمواجهة الفورية
  2. اللين والتفاهم وسياسة التعايش والتوافق
  3. التوسط بتقسيم الأهداف إلى مرحلياتٍ تكتيكية – يلزم لها درجة عالية جدا من الوعي!

وهو ما سنفصل فيه في المقال القادم، الأخير إن شاء الله تعالى

يتبع إن شاء الله

الأطروحات - 12: استراتيجية الدولة في التعامل مع الخارج وخاتمة البحث

د طارق عبد الحليم

12 يوليو 2014 – 14 رمضان 1435


[1]  http://www.tariqabdelhaleem.net/new/Artical-384

[2]  Collateral damage