إزالة الصورة من الطباعة

الجهاد الشامي ومسارات الفتنة - الجبهة الإسلامية 7

الجهاد الشامي ومسارات الفتنة - الجبهة الإسلامية 7

 

   ... ومع عسكرة الثورة السورية، صارت الساحة الشامية، ذات الحمولة العقدية الهائلة، من جهة أولى، مهوى أفئدة (1) التيار الجهادي العالمي، و (2) المجاهدين في أنحاء الأرض، و (3) والراغبين في الجهاد على الأرض المباركة. ومن جهة ثانية، مهوى النظم السياسية الإقليمية الراغبة في الدفاع عن وجودها عبر تصفية الحساب مع إيران وأدواتها الضاربة. أما دوليا فسيبقى الحفاظ على النظام وعدم المساس بأمنه واستقراره هو المهمة الأولى والأخيرة لطرفي النظام الدولي حتى وإنْ تحولت سوريا إلى موطن ملائم للصراع على النفوذ بينهما، لاسيما من جهة روسيا والصين. ومن جهة ثالثة فلا يمكن لأحد أن ينكر أن الشام غدت معقد المشروع الصفوي الذي لا خيار أمامه إلا خوض حرب وجود إذا أراد لمشروعه الاستمرارية.

  « الشام» و « بيت المقدس» و « الجزيرة العربية» هي المرابط الدولية الثلاث التي تمسك بالنظام الدولي، وتمنعه من الانهيار. هذه الحقيقة يدركها النظام الدولي بما فيه النظام الإقليمي. وتعني أن أي قتال في أيٍّ من هذه المرابط لا يمكن وصفه إلا باعتباره تهديدا مباشرا لوجود النظام الدولي .. فالذي زرع « النصيرية» و « اليهودية»، وجعل الدين تحت وصاية النظم السياسية، يدرك أن القتال في الشام هو ذاته القتال في بيت المقدس. لذا فالنظام الدولي، الذي لم يسبق له أن تعرض لخطر شديد منذ مائة عام، كما هو حاله الآن، يعلم يقينا أن الثورة السورية ليست ولن تكون كأية ثورة أخرى في العالم أجمع، مثلما يعلم يقينا أن مواجهتها أيضا تستدعي جهدا دوليا.

    « النصيرية»، كما « اليهودية»، لم تهبط من السماء على الشام. لكنها ليست بتلك الطائفة الخارقة التي تمتلك من أدوات القوة ما يمكنها من ممارسة كل هذه الغطرسة والعنجهية والرعونة وشتى أنواع القتل والتدمير والوحشية التي عز نظيرها إلا في الحروب العالمية دون أن يقدر أو يجرؤ على ردعها أحد. فإذا كانت قوتها في الديمغرافيا؛ فـ « النصيرية» لا تشكل أكثر من 10% من سكان سوريا. وهي نسبة تصل إلى نصف عدد اليهود في فلسطين، أما عسكريا وعلميا وتقنيا وصناعيا واقتصاديا وماليا واجتماعيا فلا سبيل إلى أية مقارنة تذكر مع « اليهودية». فمن هي إذن القوى التي تخوض الحرب في سوريا ضد الثورة والمجتمع؟ وهل يعقل القول بأنه النظام الطائفي الذي لم يعد فعليا موجودا على الأرض إلا إعلاميا!؟

     لا يخفى على أحد أن النظام الدولي، الذي لم تخرج شعوبه ولو باحتجاج واحد على جرائم الإبادة الإنسانية، هو الذي يجتهد في منع تسليح الثورة أو حماية المدنيين أو إغاثتهم، وهو الذي يتخذ ما يلزم من إجراءات لمنع انفجار الثورة السورية إلى الخارج، مثلما يجتهد في سن القوانين وعقد المؤتمرات الأمنية وملاحقة الساعين لنصرة السوريين، وتوعدهم بسحب الجنسيات ومحاكمتهم، أو السعي إلى قتلهم. وهو الذي يُبقي الباب مفتوحا على مصراعيه، على نهر الأسلحة المتدفق على النظام بلا انقطاع، ويُطبق صمتا على تواجد الآلاف من الروس والإيرانيين الذين يديرون الصراع على الأرض، فضلا عن عشرات الآلاف من المرتزقة، وعشرات المليشيات الطائفية من شتى أنحاء العالم، ويغض الطرف عن استعمال النظام الطائفي لشتى أسلحة الدمار الشامل بما فيها الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين في مختلف أعمارهم.    

    وعليه فالسؤال هو: إذا كان النظام الدولي، منذ تفكيك العالم الإسلامي وهدم الخلافة، قد انتزع الحرية من السوريين وحرّم عليهم الأمن، وسلط عليهم القهر والقتل، والتدمير والخراب، وفساد الدين والدنيا، عند كل محاولة لاستنشاق الحرية، فما الذي يمكن أن تجنيه الثورة السورية من النظام الدولي؟ وهل يعقل أن يتغير الموقف من « اليهودية» في فلسطين حتى يتغير من « النصيرية» في سوريا؟ وهل سيتغير في أي منهما: بمنطق «الحرية! العدل! القانون! حقوق الإنسان! حقوق الأقليات! العنصر السوري!»!؟ وهل هذه هي المفردات العقدية للشام؟

   لا شك أن السؤال مقيت وبغيض ومحبط! لكنها الحقيقة التي تعقلها القوى التي أصدرت ما يعرف بـ « ميثاق شرف ثوري للكتائب المقاتلة». ومن الطريف أنها تدافع عنه وهي تعلم يقينا أن مبرراتها أبعد ما تكون عن تلك الأغطية الشرعية التي تحاول بها عبثا ستر الحقيقة. فما الذي جرى؟ وكيف قبلت فصائل الميثاق وفي مقدمتها « الجبهة الإسلامية»، باعتبارها واحدة من أكبر القوى الجهادية، بمثل هذه المفردات التي تقع على النقيض مما سبق وأعلنته على علاته؟

أولا: مشروع الأمة

 بعد اتصالات دامت نحو سنة تم الإعلان عن تشكيل « الجبهة الإسلامية» بنسختها المنقحة في 22/11/2013م – 18/1/1435 هـ، وضم التشكيل الجديد كل من « الجبهة الإسلامية السورية» ( حركة أحرار الشام ولواء الحق وأنصار الشام والجبهة الإسلامية الكردية) وفصائل من « جبهة تحرير سورية» كـ « لواء التوحيد» و « صقور الشام» و « جيش الإسلام». وتبعا لذلك صدر ميثاق للجبهة عرف باسم: « ميثاق الجبهة الإسلامية – مشروع أمة». ولقي الإعلان عن الجبهة ترحيبا واسعا لاسيما من علماء ومشايخ ودعاة السعودية. وفي خطوة غير مسبوقة منذ انطلاقة الثورة أصدر 72 عالما وداعية في 6/12/2013م - 2/2/1453 هـ بيانا تضمن بضعة رسائل، ودعت الثانية منها: « كل الفصائل المجاهدة الداعية إلى تحكيم شرع الله، وإلى جميع من يؤمن بما في ميثاق الجبهة» إلى: « الانضمام إليها، تكثيراً للسواد، ورصاً للصفوف، وكبتاً للأعداء»، أما الخامسة فطالبت: « إخواننا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، أن يستمروا في دعم إخوانهم المجاهدين في الشام عامة، والجبهة الإسلامية خاصة».

  لا ريب أن بيان العلماء هذا تمتع بمسؤولية سياسية وشرعية رفيعة المستوى. ولا يُنقص من قيمته انسحاب بضعة علماء في وقت لاحق من التوقيع على البيان. لكن مثل هذا البيان لم يصدر مثلا حين الإعلان عن « الجبهة الإسلامية السورية» في ديسمبر 2012 أو « جبهة تحرير سوريا» أو « جبهة النصرة»، فما الذي يجعل هذا الحشد من العلماء يفزَع فجأة إلى مناصرة التشكيل الجديد، في حين أن ذات التشكيلات كانت قائمة، وخاضت حروبا طاحنة ضد النظام قبل ائتلافاتها الجديدة، لكنها لم تحظ بأية مناصرة من هذا النوع أو أقل منها؟ وما الذي يجعل « السرورية»، أحد أشهر التيارات الإسلامية، تحتفي بالتشكيل الجديد، حتى بإقامة الولائم بدعوى أنه أكبر وأوسع « تمثيل» للثورة السورية!؟ ولماذا يخاطب البيان المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بدعم المجاهدين في الشام عامة في حين يختص بالدعم « الجبهة الإسلامية»؟ ألأنها ترى في التشكيل الجديد وليدها الناضج الذي سيحقق لها مشروعها؟

     لعل أطرف ما في الميثاق على الإطلاق هو عبارة « مشروع أمة»! فالميثاق هو أصلا نسخة مبتسرة عن نص الميثاق القديم للجبهة في صيغتها الأولى. وهو في الحقيقة (القديم) أبْيَن من النسخة الجديدة. أما وجه الطرافة الأول فيكمن في أولئك النفر اليسير الذي قد لا يتعدى ثلاثة أو أربعة أشخاص ممن قاموا بصياغة النص الجديد، وتنافسوا في إضافة هذه الكلمة أو الجملة وحذف تلك، إلى أن وقع الرضا بينهم على الصيغة النهائية. أما الوجه الثاني الأشد طرافة فيكمن في أن من راجع النص كان عالما واحدا فحسب! في حين تم تقديم الميثاق باعتباره « مشروع أمة»! وإزاء هذه المعطيات فالسؤال هو: ما هو الأساس الشرعي أو الموضوعي الذي أيد به بيان العلماء 72 الميثاق باعتباره « مشروع أمة»

    بطبيعة الحال لم نتحدث عن مضامين الميثاق لنعرف حقا المدى الذي يسمح بوصفه « مشروع أمة». لكن من المؤسف أن المنطق الذي تجري به صياغة العقائد والمواثيق هو منطق « العقل الجبري» بامتياز. وهو ذات المنطق الذي يقع فيه العالم الشرعي والأمير والسياسي والأكاديمي والمثقف والناشط والحركة والحزب والجماعة والصغير والكبير. ومن يَخْبَر دهاليز المؤتمرات والندوات والاجتماعات يدرك أن أغلب البيانات والوثائق الحاسمة التي تمس الأمة في حاضرها ومستقبلها لمّا تزل تُعْقَد وتصدر بهذه الطريقة، وهي طريقة النظم والمعارضة، إسلامية كانت أو جهادية أو وطنية، أي بعيدا عن أي جهد مؤسسي أو منهجي، وبالتالي ما من فارق لها في مستوى الأمة حتى لو جرى تغطيتها بشتى الأغطية الشرعية، ومن شتى أطياف العلماء. بل أن المعارضة من الجماعات والتجمعات والمؤسسات والتكتلات والتحالفات يجري تشكيل غالبيتها الساحقة وأشهرها كما لو أنها صفقات تجارية! وعلى قاعدة لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم. أي بمقتضى التوازنات السياسية والأيديولوجية والاحتياجات الأمنية والاتصالات الهاتفية والرسائل البريدية والمجاملات والمحسوبيات والولاءات والعلاقات والقرابية والتاريخية والمهنية وتبادل المنافع والمصالح.

     هذا النمط من التفكير والعمل يكاد يكون نسخة طبق الأصل عما تسلكه نخب الدول والنظم السياسية في عالمنا الإسلامي والعربي على وجه الخصوص، وهو الذي يجعل الأمة تدور في حلقة مفرغة، كون النخب الفاعلة فيها أبعد ما تكون عن الالتزام بالمنهج الشرعي الدقيق والشديد الوضوح واليسر، وإلى حد التطابق مع آليات النظم السياسية ذاتها. ولو استبدلت القوى الجهادية والإسلامية هذا النمط بعقيدة « ما استطعتم»، لصارت بغنى عن الوقوع في مزالق سياسية وشرعية وعسكرية وأمنية قد تودي بها وبالأمة في لحظة ما.

  ومن باب التذكير، فقد كنا عرضنا لنظرية الإعداد وفق منهج « ما استطعتم» في حلقات سابقة. وفيه يمكن ملاحظة المدى الواقع بين الحد الأدنى من الاستطاعة والحد الأقصى، وأن التكليف يقع على الحد الأقصى. أما ما بينهما فهو مجموعة المخاطر والعقبات والمشكلات والقصور التي قد تؤدي إلى الكوارث والفشل وحتى النزاع والاقتتال والفوضى والهزائم. ولو أسقطنا هذا المنهج على الميثاق الموصوف بـ  « مشروع أمة» لتقييمه، فسيتبين لنا أن صياغته لم تفارق الحد الأدنى. فما هو الحد الأقصى؟ وما هي فاعليته؟

   حين نتحدث عن الأمة فإننا نعني بها أمة الإسلام المنتشرة في الأرض، والتي يمثلها كما يقول أمير « جبهة النصرة» أبو محمد الجولاني « أهل العلم والصلاح والرشاد». فحيثما تَواجَدَ المسلمون لا بد أن يتواجد من بين هؤلاء الوجهاء والأمراء والعلماء والمشايخ والدعاة والناصحون والمفكرون والمثقفون والإعلاميون والناشطون والفاعلون والخبراء والمتخصصون والقوى المتصدرة لأحوال الأمة وقضاياها. ومن يتحدث عن « مشروع أمة» سيكون لزاما عليه أن يصل إلى هؤلاء بقطع النظر إنْ كان يوافقهم أو يعارضهم، وإنْ عزم على ذلك فلن يعدم الوسيلة. بل من المفترض أن تكون هناك فِرَق عمل متخصصة مهمتها الاتصال والتواصل والتفتيش عن هؤلاء، ووضعهم في قائمة حتى لو بلغت ضمن الاستطاعة مليون شخصية أو مؤسسة. فالتواصل مع هؤلاء سيؤدي مع الوقت إلى حشد الأمة والوقوف على طاقاتها ثم تفعيلها والاحتماء بها.

   كان من الممكن القول بأن ميثاق « الجبهة الإسلامية» هو « مشروع أمة» لو عمل القائمون عليه فقط في تشكيل لجنة لتوصيف الصراع في المرحلة الأولى، ثم تشكيل لجنة صياغة متخصصة من الشرعيين والسياسيين والإعلاميين والمهرة من المتخصصين في العلاقات العامة وخبراء الاتصال والتواصل، للخروج بنص يليق به الوصف، بحيث يمكن إرساله، بعد إنجازه، إلى « أهل العلم والصلاح والرشاد» ليبدوا رأيهم فيه حتى لو كانوا في أقاصي الأرض. فلا بد وأن يكون ثمة ردود يتم دراستها والأخذ بما يستدعي التنقيح، مرة ومرتين وثلاث، إلى أن يستقر النص في صيغته النهائية. بمثل هذه الآلية يمكن إشراك الأمة كلها وتحميلها المسؤولية، والخروج بما يستحق الوصف فعلا بأنه « مشروع أمة» تدعمه كل الأمة دون خشية من ردود الأفعال بقدر ما سيكون هناك حصانة من الضغوط من هذه الجهة أو تلك.

    ليس « التيار السروري» الذي نشطت رموزه في تشكيل « الجبهة الإسلامية» في أكثر من دولة، واستقر تنظيميا فيها، يختلف عن غيره من التيارات التي تنشط باسم الأمة. كل ما في الأمر أنه لا يرى سبيلا لقيام مشروعه الخاص وسيادته طالما بقي مشروع « القاعدة يتنفس أسباب الحياة. لكن إذا كان مشروع « القاعدة» القائم على الجهاد تلخصه عبارة « الدم الدم .. الهدم الهدم» فإن « مشروع السرورية»، في المحصلة، صار، كغيره من أغلب المشاريع الإسلامية، أشبه ما يكون بـ « مشروع اللبرالية»! أي مشروع « الدولة القومية» الذي لا يتعارض في النهاية لا مع النظام المحلي ولا مع النظام الدولي إلا في مصطلحات قابلة للاحتواء على شاكلة « الحكم الرشيد». كما أنه لا يتعارض جوهريا مع أطروحات القوى الإسلامية الوطنية. وفي المحصلة انتهت مشاريع القوى كما لو أنها مشاريع هدم حتى لبعضها البعض!!!

ثانيا: مشكلات موروثة وبنيوية ومنهجية

   ما من شهادة أو تقرير أو تحقيق أو تحليل إلا وجاء فيه أن الجماعات المقاتلة في الثورة السورية ليست إلا انعكاس مطابق لما كان عليه حالها في سجن صدنايا. وما أن أطلق النظام سراح المئات من السجناء غداة انطلاقة الثورة حتى شكلوا أغلب الجماعات المقاتلة، وفي مقدمتها « جبهة النصرة» و « أحرار الشام» و « صقور الشام» و « لواء الإسلام» وغيرها. وكما السجن تتوزع انتماءات هذه الجماعات على كينونتها في السجن الذي كان يضم السلفيين الدعويين والسلفيين الجهاديين والإخوان وحزب التحرير. وعليه فإن علاقة هذه الجماعات في ظل الثورة لا تبتعد في تقاربها أو تباعدها، عقديا وسياسيا، عما كان عليه الحال داخل أجنحة السجن الثلاثة.

    وفيما يخص « كتائب أحرار الشام»، التنظيم المركزي في « الجبهة الإسلامية» الذي يتحمل تاريخيا القسط الأكبر من المسؤولية الشرعية والجهادية مقارنة ببقية التشكيلات، فقد تشكلت في شهر أيار سنة 2011، وفي نهايتها تم الإعلان عنها. ثم توسعت إلى « حركة» في 31/1/2013 لتضم إلى جانب « الكتائب» كل من « حركة الفجر الإسلامية» و « جماعة الطليعة الإسلامية» و « كتائب الإيمان المقاتلة». لكن أميز ما في « الحركة» منذ تأسيسها هو نزوعها المستمر نحو (1) التوسع وإعادة التشكل بمسميات جديدة مع (2) الاحتفاظ بنواتها الصلبة، سواء كانت صيغ التوسع ائتلافية أو اندماجية. ومع أنها تعج بالقيادات الجهادية التاريخية، فضلا عن تشكيلات لا بأس بها من قواعدها المقاتلة، الأميل إلى الفكر الجهادي، إلا أن بياناتها وإصداراتها وتصريحاتها ومواقفها واستراتيجياتها وتحالفاتها تشير، بما لا يدع مجالا للشك، إلى احتفاظها بـ « مسافة» واضحة من « التيار السلفي الجهادي»، حتى وإنْ كانت على علاقة ودية ووثيقة مع تشكيلاته لاسيما « جبهة النصرة».

    ومع أن وثائقها تؤكد على « تطبيق الشريعة» وسيادتها في مرحلة ما بعد النظام، والتطلع نحو « دولة إسلامية»، وهو ما يعني الصدام مع النظام الدولي، إلا أنها نادرا جدا ما أبدت أية مواقف مناهضة للنظام الدولي. وفي المقابل اتجه خطابها نحو التركيز على إسقاط « النظام النصيري» المتحالف مع « النظام المجوسي» في إيران. وبهذا المحتوى قد تبدو الحركة في بنيتها التنظيمية وسياساتها واستراتيجياتها على قدر لا يخفى من « التعارض» بين ما تحتويه وتؤمن به حقا وما تعلن عنه قولا وفعلا. بل أن توسع « الأحرار» لاحقا من « كتائب» إلى « حركة» ثم إلى « جبهة» استنزف خطابها العقدي. فقد بدت وفق خطاباتها الأولى أقرب ما تكون إلى « السلفية الجهادية» وأبعد من أن تكون مجرد تنظيم ذو مرجعية إسلامية، ومن الطبيعي أن يوقعها الاستنزاف العقدي بمشكلات سيكون لها تداعيات خطيرة في مراحل لاحقة.

    وعلى المستوى التنظيمي؛ فليس ثمة تفسير حتى اللحظة يبرر وجود رجل، أو أكثر، من أساطين التيار الجهادي كأبي خالد السوري في « حركة أحرار الشام» وليس في « جبهة النصرة» مثلا! مع أنه كان ينظر إليهما ككيان واحد ويعمل على جمعهما. لكن ثمة من يفسر وجود أعداد كبيرة ومميزة من الجهاديين، مقاتلين وقيادات، في صفوف الحركة في ضوء تحول سوريا إلى منطقة عبور نحو العراق بعد غزوه واحتلاله أوائل العام 2003، بالإضافة إلى أن ثلثي نزلاء سجن صدنايا كانوا من الجهاديين الذين وجدوا ملاذا لهم في الحركة التي ظهرت قبل الإعلان عن « جبهة النصرة»، وكذلك بعض القيادات الجهادية المهاجرة التي حطت رحالها في الحركة. ولا ريب أن هؤلاء ككتلة جهادية خبيرة وضاربة كانوا بمثابة المحركات الرئيسية في ثبات الحركة ونمو فعالياتها العسكرية في ميادين القتال، علاوة على ما وفروه من انتشار قتالي على أوسع رقعة من الشام.

  وسياسيا؛ فالحركة تحرص على الاحتفاظ بما يسميه أحد قياداتها بـ (1) « الهامش = المسافة» الذي يمكنها من التمتع بقدر من الحركة في مستوى الإعلام والعلاقات السياسية وحشد ما يمكن من الدعم اللوجستي ولو إلى حين! هذا مع العلم أنها تعي جيدا أن أي « هامش» لا يمكن إلا أن يكون له استحقاقاته العاجلة التي تتعلق بمتطلبات التنسيق الأمني الإقليمي أو الآجلة خاصة تلك التي تستهدف بالدرجة الأساس الثوابت العقدية والأيديولوجية. وبدلا من تضييقه، وسد الباب على مخلفات صدنايا، اجتهدت قيادات « الأحرار» بتوسيعه، إلى أن صنعت منه، بمعية (2) التكوين الجهادي البنيوي و (3) الرغبة في التوسع التنظيمي، الثغرة التي ستثير شهية القوى الدولية والإقليمية لاستدراج الحركة نحو السير فيما يشبه حقل الألغام، ومن ثم ابتزازها تحت طائلة تهديد الزج بها في قائمة « الإرهاب» الدولية.

    قدر « الأحرار»، التي امتنعت أصلا عن استقبال المهاجرين إلا بنسبة ضئيلة جدا، أنها تواجه مشكلة لن تواجهها بقية التشكيلات بنفس القدر من الحدة، إذ أن استهداف « الجبهة الإسلامية» لا يمكن أن يمر دون العمل على لي ذراع النواة الصلبة فيها. ولعل التهديد بتصنيفها، بالإضافة إلى التعارضات السياسية وربما العقدية، مع كتل الجهاديين، ستشكل ضغوطا بالغة الخطورة على الحركة إما لدفعها نحو تصفية العنصر الجهادي فيها أو التعرض لاستنزاف ذاتي بهجرة هذه العناصر إلى جماعات أخرى أو جرها إلى استنزاف عقدي في مواطن إيمانها.

    رغم أن الصراع مع « الدولة الإسلامية في العراق والشام» يرجع، في الجزء الأكبر منه، إلى « قرار التمدد» باتجاه الشام، والذي تسبب بانقسامات وصراعات دامية كانت الساحة بغنى عنها، إلا أن بذوره كامنة، في جزء معتبر منها، في صراعات القوى الإسلامية مع « القاعدة» في سجن صدنايا. ففي خضم أحداث السجن التي انطلقت في 5/7/2008 انفجر الصراع بين الفريقين على طريقة مواجهة سلطات السجن. وكانت عبارات التخوين والتآمر والتخاذل والتكفير والتراجع والخضوع والإقصاء والتحالفات ... هي السائدة على مدار ثمانية أشهر من المواجهة. وغني عن البيان القول بأنه لم يكن في الشام خلال الأحداث لا « ثورة» ولا « دولة»، ومع ذلك فما أن أعلنت « دولة العراق الإسلامية» تمددها باتجاه الشام حتى هيمنت على عقلية أبرز قيادات الجبهة وشرعييها تجربة الجزائر كما لو أن الصدام قادم لا محالة!

  لكن ما كان للصراع أن ينفجر بهذه السرعة خاصة وأن بنية الجبهة من « الأحرار» وغيرها ذات عقيدة جهادية لا تخفى، بل أن بعض الشهادات الإعلامية تؤكد أن ما بين 70 – 80% من الكتلة المقاتلة في « الأحرار» رفضت الدخول في الاقتتال. لكن إنْ كان للتنوع الأيديولوجي في مستوى قيادات الجبهة سهما في إذكاء جذوة الصراع، فإن انضمام « جيش الإسلام»، الذي مثل قائده زهران علوش رأس الحربة في التحريض، هو الذي عجل في وقوع الصدام الذي كان من الممكن احتواؤه وتجنب تداعياته ولو ببعض الخسائر، أما « الدولة» فيما تعتقد أولا، وسياساتها ثانيا، فقد ساهمت بشكل حاسم في استمرار الصراع وتوسعه باتجاه « النصرة». وقد يبدو تساؤلا مشروعا ذاك الذي يقول: لمَ كانت علاقة « الأحرار» ودية مع « جبهة النصرة» ولم يحصل أي تصادم بينهما طوال عام كامل في حين بدت عدائية منذ اللحظات الأولى للتمدد؟

   لا ريب أن كثافة العنصر الجهادي كانت سببا رئيسا في هذا التقارب. لكن التوجهات الجديدة لـ « القاعدة» في الشام تقدم أكثر من تفسير، في ضوء حرصها على عدم الظهور العلني على الساحة من جهة، وعلى التخلص من عبء التسمية في الشام من جهة أخرى، لاسيما وأن « القاعدة» غدت عنوانا منفرا ومخيفا ومكلفا لدى العامة من الناس. وهو ما نجحت « جبهة النصرة» في تجنبه حتى أصبحت في غضون سنة واحدة من أميز الجماعات الجهادية نظرا لعلاقاتها الودية مع الجميع، وأكثرها شعبية في الخارج، لكونها قدمت نموذجا جهاديا منضبطا، يستجيب لطموحات الجهاديين في شتى أنحاء العالم، ويطمئنهم على ساحة بحجم الشام من أن تقع لاحقا فريسة الصراعات البينية كما حصل في ساحات أخرى كأفغانستان والعراق على وجه الخصوص.

ثالثا: الاستدراج

   بفعل سياساتها وبنيتها التنظيمية فضلا عن انحيازها إلى الأخذ بـ « الرخص الشرعية»؛ وضعت « الجبهة الإسلامية» السورية نفسها هدفا سهلا لسلسلة من الاستدراجات التي شاركت فيها قوى دولية وإقليمية وتيارات إسلامية. فالنظام الدولي يدرك جيدا أن التعامل مع كيان موحد من الجماعات أفضل، في الاحتواء والسيطرة وحتى الإسقاط والتفكيك، من التعامل معها ككتل متجاورة يحتاج كل منها إلى جهد خاص به. وفي هذا السياق بدأت المحاولات الأولى خلال شهر رجب سنة 1434 بين « الجبهة الإسلامية السورية» و « جبهة تحرير سوريا» التي تضم « لواء التوحيد» و « لواء الإسلام» و « صقور الشام». وفي شهر رمضان من العام نفسه تم الاتفاق على ائتلاف في صيغة « الجبهة الإسلامية» وتشكيل مجلس شورى وتأجيل الاندماج لمدة ستة أشهر كفترة اختبار!

  كانت هذه أول عمليات الاستدراج التي تعرضت لها الجبهة. ورغم أن القلق كان يساور « الأحرار» ومعظم القوى المنضوية تحت جناح « الجبهة الإسلامية السورية» إلا أن عناصر قيادية « سرورية» النزعة دفعت باتجاه الائتلاف. أما القلق فانصب بالدرجة الأساس على انضمام « لواء الإسلام»، وما أشيع عن علاقات زهران علوش مع السعوديين، أو ما يتلقاه من دعم مالي وحتى لوجستي، تَسرَّب محتواه في صيغة أخبار تناقلتها بعض وسائل الإعلام، بالإضافة إلى نقاشات جرت بين بعض المشايخ، ووصلت إلى حد التساؤل عن علاقة أمنية تربطه بالمخابرات السعودية. ولو أن علوش أبدى استعداده لإصدار بيان يهاجم فيه السعودية! فإن الجبهة نفسها ستكون أعجز من أن تتحمل صدور بيان بهذا الحجم، خشية الاصطدام بالقطريين، الذين أعلنوا صراحة بأن تحركاتهم تجري « بالتنسيق مع إخوتنا السعوديين» بحسب كلام وزير الخارجية، خالد العطية. وهنا بالضبط يكمن وجه الاستدراج الذي وقعت فيه الجبهة حتى وجدت نفسها في بضعة أشهر أو أسابيع وجها لوجه مع « الأصدقاء» على طاولة واحدة.

   تفاقم القلق من علوش بسبب رغبته في التضخم والسيطرة فضلا عن نزعته الصدامية، حتى بدا كمسعر حرب ضد المخالف أكثر مما هو ضد النظام، دون أن يغفل بعض شرعييه مهاجمة « جبهة النصرة» في حين، والحاجة إلى مغازلتها في حين آخر، تجنبا للصدام معها إلى حين! لكن الضغوط السياسية والإعلامية الخارجية ووجود حلفاء له في الجبهة جعلت منه أسطورة لا تتناسب مع حجم انتشاره العسكري في الواقع، لاسيما في ضوء تواتر الأنباء عن انسحاباته من بعض الجبهات. وهي انسحابات يرجعها البعض إلى محدودية البنية التنظيمية للجيش الذي لا يزيد تعداده عن بضعة آلاف من المقاتلين، من بينهم ألف مقاتل فعلي على الأرض، فيما يقول آخرون أن القادة الميدانيون خاصة في « الأحرار» رفضوا الخضوع لسلطته العسكرية بوصفه القائد العسكري العام للجبهة. وظلت الخلافات تتراكم حتى ظهرت إلى العلن في أكثر من مناسبة، كان آخرها البيان الذي أصدرته « حركة أحرار الشام» في 30/5/2014، والذي يطالب بمحكمة مستقلة للفصل في النزاعات القائمة مع « جيش الإسلام»، بالإضافة إلى كثرة مشاكله مع القوى وتدخله العنيف ضد شرعي « الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام»، خاصة في منطقة الغوطة حيث يعسكر منذ نشأته في منطقة دوما وعدرا. فقد بدا الجيش وأميره على وجه الخصوص، بنظر عسكريي « الأحرار» خاصة، والكثير من الإعلاميين والجماعات عنصر توتر وشقاق أكثر مما هو في الواقع عنصر استقرار في « الجبهة الإسلامية» أو حتى في الثورة السورية، وغدا مركز « التوبة» التابع للجيش مأوىً لقصص كثيرة تتحدث عن الظلم الذي يمارسه بحق المخالفين. وسواء تشبث علوش ببقائه في الجبهة أو تم إخراجه منها فالمؤكد أن بقاءه من عدمه ليس بيده بقدر ما هو بيد القوى المستفيدة من بقائه. فهذه القوى تعلم أن خروجه من الجبهة، كما يتردد، سيؤدي إلى اضمحلاله مثلما باتت تعلم أيضا أن بقاءه فيها لن يكون له ذلك التأثير في توجهاتها وسياساتها وخططها الحربية.

      قبل الكشف عن المزيد من عمليات الاستدراج ينبغي الإشارة إلى أن مجموعة أصدقاء سوريا تم اختصارها إلى 11 عضوا مهمتها متابعة الشأن السوري على كل مستوى. وتتكون من أمريكا، بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، ألمانيا، تركيا، السعودية، الإمارات، الأردن وقطر. وفي السياق يمكن القول أن عمليات الابتزاز السياسي من قبل هذه المجموعة بدأت مع ما نشرته صحيفة « وول ستريت جورنال» في 12/5/2013، لكنها اشتدت عشية الإعلان رسميا عن « الجبهة الإسلامية» في 18/1/1435 – 22/11/2013. وما بين شهري أكتوبر وديسمبر من سنة 2013 تم تنظيم عدة لقاءات مع أطراف إقليمية وعربية، بعضها مع الوزير خالد العطية، وبعضها الآخر مع المجموعة. وكانت أطروحة العطية تقوم على أن قطر وأصدقائها تتعرض لضغوط شديدة لوقف الدعمه المالي والعسكري للجبهة ما لم تُثبت، هذه الأخيرة، أنها ليست منظمة « إرهابية».

   « دافعوا عن أنفسكم وأثبتوا لهم أنكم لستم جماعة إرهابية»! كانت هذه هي العبارة المفتاحية لعملية الاستدراج السياسي الثانية التي نفذتها المجموعة الدولية. ولعل البداية كانت في لقاء العطية مع ممثلين لـ 17 فصيلا في استانبول في 17/10/2013، وفيه طلب من الفصائل الاجتماع بأصدقاء سوريا. لكنه لم يحصل على إجابة إلا في 22 من الشهر نفسه، خلال لقاء استمر نحو خمس دقائق، تلقى خلالها العطية جوابا بأنه « لا مانع من الاجتماع لكن ليس في هذه الظروف» التي تعاني الساحة فيها من التوتر فيما بين القوى الجهادية، بحيث تبدو وكأنها تحضيرا لفتنة، خاصة وأن هناك من يتعجل الوقوع فيها فعليا. أما العطية الذي لم ترُقه الإجابة فما كان منه إلا الانفراد ببعض القيادات المشاركة للضغط عليها وقبول الاجتماع. ومع أن الغالبية الساحقة لم تكن ترغب بعقده، لاسيما وأن بعضهم كان يرى فيه فخا لتعزيز الانقسامات والشقاقات والفتن مع الفصائل الأخرى، إلا أن المناقشات البينية التي جرت في 6/11/2013، وسط ميل البعض للقاء، أسفرت عن موافقة 12 فصيلا، لينعقد اللقاء في وقت لاحق، وليستمر طيلة ثمانية ساعات متواصلة.

     حرص القطريون والأتراك على تطمين الفصائل على أن اللقاء سيبقى خارج أية رقابة إعلامية أو سياسية، وأن الجميع سوف يخضع للتفتيش، حتى « الأصدقاء 11»، لضمان سرية اللقاء! إلا أن السعوديين قاموا بتسريبه. وكان من الطبيعي أن يفعلوا ذلك، وإلا فلا قيمة للصمت ولا للاجتماع، خاصة وأن الجهود التي قادها القطريون في الواجهة استهدفت بالدرجة الأولى « كسر الحاجز بين الجماعات الجهادية والقوى الدولية» لاسيما الأمريكية منها وليس التستر عليها. بطبيعة الحال، وفي بداية عمليات الاستدراج لم يتوقف الأمريكيون عند شدة المواقف التي قد تصدر عن الجبهة أو بعض أوساطها بين الحين والحين. بل أن الأمريكيين حرصوا على تعميق الاستدراج سياسيا وإعلاميا عبر الإعلان في منتصف كانون الثاني / ديسمبر 2013 عن وجود اتصالات مع الجبهة أو مواعيد اجتماعات تم الاتفاق عليها وهو ما اضطرت الجبهة إلى نفيه لاحقا!

     أما الأمريكيون فلم يكن ليهمهم النفي أو الغضب أو التكذيب بقدر ما اجتهدوا في توطين التقارب مع الجبهة ومثلها من القوى الجهادية ولو على المستوى الإعلامي، بقطع النظر عن صحة ما يعلنونه أو كذبه. لذا فلم يحتاجوا للاعتذار ولا للتعبير عن يأسهم أو استيائهم إزاء الردود السلبية من الجبهة، وفعلا جاءت المحاولة التالية من آرون زيلين، الباحث في « معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى» التابع لمنظمة « الإيباك» الصهيونية. ففي 9/1/2014 رد المسؤول السياسي لـ « الجبهة الإسلامية»، حسان عبود، عبر حسابه الشهير بكنية أبو عبد الله الحموي في موقع « تويتر» الاجتماعي، على تغريدة لزيلين قال فيها:

« Aron Y.Zelin: Any personal message you want send to people in the department that want to support you? I am talking w/them in the morning my time.

      آرون زيلين: هل هناك رسالة تريد أن ترسلها للأشخاص في الإدارة لكي يساندوك؟ سأتكلم معهم غدا صباحا بتوقيتي». وبحسب ترجمة أخرى: « هل من رسالة تريد إرسالها للفرع الذي يريد دعمك؟ سأتكلم معهم غدا صباحا بتوقيتي».

    أما رد الحموي عليه فجاء فيه: «my replay to your message will be In public  - ردي على رسالتك سيكون مكشوفا للجميع »، وأتبعها بتغريدة أخرى: « مهما وقع علينا من ظلم وحيف ومهما كانت إغراءات الزيغ فلن نكون إلا مجاهدين أخلصوا نيتهم لربهم. وحسبنا أن الرحمن تكفل بنا».

  مع ذلك لم تتوقف سياسات الاستدراج المصحوبة بالضغوط والابتزاز عند هذا الحد ولن تتوقف. ولم يطل الوقت حتى توقفت قطر عن تقديم الدعم المالي واللوجستي. ومع التوقف عادت نغمة التهديد بقائمة « الإرهاب» من جديد، إلى أن فوجئت القوى الجهادية وغيرها بـ « ميثاق الشرف الثوري للكتائب المقاتلة». وبالتأكيد لن يكون « الميثاق» بأفضل حال من ميثاق « الجبهة الإسلامية» حتى لو بلغ نصيبه من النقاش 20 – 25 فردا. بل ما من علاقة تُذكر بين الوثيقتين. فالميثاق الذي: « صيغ كلمة كلمة بين الأطراف الموقعة عليه»، كما قال حسان عبود لقناة « الجزيرة – 26/5/2014»، لا يمت بأية صلة على الإطلاق لـ « أحكام الدين الحنيف» إلا من كونها عبارة بروتوكولية لا تغيب، إذا دعت الضرورة، حتى عن خطابات أشد الناس عداوة للذين آمنوا. ومع أن لفظة ميثاق، في السياسة، تعني بالضرورة مجموعة من الالتزامات الأدبية أو الأخلاقية بين طرفين أو أكثر، إلا أن النص خلا منها تماما، وحلت محلها (1) التزامات سياسية صريحة، (2) بعيدا عن أي حضور ولو صوري لأية لفظة لـ « الإسلام» أو « الجهاد» أو « الشريعة»، بل (3) واستعمل مصطلحات وضعية تتعلق بـ « الدولة القومية» وهويتها، و (4) خاطب النظام الدولي والإقليمي بما يشبه تقديم الضمانات لهما عن واقع الثورة ومستقبل النظام، و (4) لم يخاطب حتى الأطراف الموقعة عليه، فضلا عن (5) الأطراف المدعوة للتوقيع عليه، في حين (6) ركز على العنصر السوري وهو الأخطر على مصير الجهاد والمجاهدين الذين تدفقوا على الشام.

   لا شك أن الميثاق كان سيتسع للغة صريحة من بضع كلمات حاسمة بدلا من لغة الالتفاف التي تحتج بما صدر من مواثيق أو بيانات أو تصريحات صارت بحكم المنسوخ لا بحكم المفسر. وسواء كان الميثاق « إنتاج سوري ثوري خالص»، كما يقول عبود، أو مفروض من الخارج فإن صياغته تمت بلغة سياسية وقانونية احترافية لا تخرج كثيرا عن مضامين وثيقة « العهدة الوطنية - 21/3/2012 » التي أصدرها « الإخوان المسلمون» في سوريا، وجعلوا فيها من « مبدأ الكفاءة» معيار الوصول إلى السلطة بعيدا عن أية هوية  أو أحكام شرعية، ولا عن وثيقة القاهرة الشهيرة باسم « العهد الوطني – 3/7/2012» أو وثيقة تأسيس الائتلاف في الدوحة، التي صدرت باسم « اتفاق الدوحة بين أطراف المعارضة السورية ١١/١١/٢٠١٢»، وخلو الوثيقتين حتى من « البسملة». وبصريح النص، الذي بات ملزما سياسيا لأصحابه، فقد صيغ بمقتضى لغة النظام الدولي ومفرداته السياسية الوضعية الصرفة بعيدا عن أية لغة شرعية إلا من قبيل « البسملة» و « الحمدلة» وعبارة « أحكام الدين الحنيف» التي جاءت في مستوى أدنى من العبارة الواهية التي زعمت الدساتير العربية بموجبها أن: « الشريعة هي المصدر الرئيس للتشريع»، ثم تقلصت إلى « مبادئ الشريعة» في دستور مصر، وظلت مختفية تماما من الدستور التونسي، في حين صارت موضع جدل وحرب معلنة عليها في اليمن. لذا لم يكن غياب كلمات مثل « الجهاد» و « الإسلام» و « الشريعة» وحتى « المقاومة» واستبدالها بكلمات « الحريات» و « العدل» و « القانون» و « حقوق الإنسان» و « الأقليات» « العنصر السوري» من باب « سقط سهوا»!

      إذ ما من منطق شرعي أو موضوعي يسمح للميثاق أن يتسع لهذه ويضيق على تلك بكل هذه الدقة، لكنه الاستدراج الخالص الذي يمعن في تجريد القوى الإسلامية على وجه الخصوص حتى من ورقة التوت خاصة وأن 16 جماعة سبق لها وأصدرت بيانا في 18/11/2012 دعت فيه إلى إقامة « دولة إسلامية» ردا على القوى العلمانية واللبرالية التي تدعو إلى إقامة « دولة مدنية» تعددية تقوم على القانون والمساواة والعدل والحرية والتسامح .. وهي قيم اللبرالية الخمس! فهل غدت هذه القيم أوسع من الشريعة وقيمها!؟ وهل جاءت « النقلة النوعية» للميثاق مفسرة أم ناسخة لما نادت به هذه القوى!؟

   الثابت أن الأمريكيين لن يتوقفوا عن ممارسة سياستي الابتزاز والاستدراج طالما ظلت الجبهة أسيرة « الهامش» فضلا عن مفاتيح أخرى تسمح للقوى المعادية بجرها على الدوام للبحث عن « رخص تبريرية» تواجه بها الضغوط من نوع « الجلوس مع الكافر ليس بكفر» أو « هذا مما ترخص به الشريعة» أو ... فلا النظام الدولي بتلك السذاجة التي يمكن خداعه بها ولو لبعض الوقت، ولا العقل والدين يسمح لمثل هذه الرخص بالقول: « علمني الجهاد أن نمضي في دربنا ولا نلتفت إلى من يريد الانتهاء بنا في شعف الجبال والغابات وقفار البوادي لنخوض جهاد النخب وهما بالوصول!! - 17/5/2014».

قليلا من التعقل

     فليس من العدل ولا العقل ولا الشرع وصف « الجبهة الإسلامية» بـ « الصحوات». فمن جهة يبدو حجم مساهمة الجبهة في ساحات الاقتتال إعلاميا أكثر منه واقعيا بأضعاف المرات. وقتالها مع جماعات جهادية أخرى لـ « الدولة»، ينبغي أن يوضع في الجزء الأكبر منه في سياق مشكلات القوى مع عقائد « الدولة» وسياساتها وليس في سياق القوى