إزالة الصورة من الطباعة

عن الشرعة والمنهاج

بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بلغت شقوة الإنسانية قمتها وكانت الأرض في حاجة ماسة إلى رسالة جديدة. كان الفساد قد عم أرجاءها كلها بحيث لا يرتجى لها صلاح إلا برسالة جديدة ، ومنهج جديد ، وحركة جديدة. وكان الكفر قد تطرق إلى عقائد أهلها جميعا سواء أهل الكتاب الذين عرفوا الديانات السماوية من قبل ثم حرفوها ، أو المشركون في الجزيرة العربية وفي خارجها سواء. وما كانوا لينفكوا ويتحولوا عن هذا الكفر الذي صاروا إليه إلا بهذه الرسالة الجديدة ، وإلا على يد رسول يكون هو ذاته بينة واضحة فارقة فاصلة {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (2) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4) }البينة

وبعد مضى أكثر من 14 قرن على بعثة النبى صلى الله عليه وسلم وهو خاتم النبيين والمرسلين ، نجدنا اليوم علينا أن نقوم بواجب الدعوة وأمانة الرسالة لأنه لا نبى مرسل بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم    فماذا كان يقول النبيون والمرسلون وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم للناس حين يدعونهم الى عبادة ربهم وبما كانوا يخاطبونهم وما هى مهمتهم الرئيسة؟ ولكن قبل الإجابة على هذا السؤال نحب أن نوضح الآتى :

إن أمر إعادة إنشاء الأمة من جديد وإعادتها الى سابق عزها لن يتم عبر معلومات ، ولا خطب أو دروس أو مواعظ تلقى ، إنما هو جهد حقيقى دائب، يحتاج إلى متابعة ومثابرة، ويحتاج إلى تتبع مسارب النفس ومداخلها، لتنقيتها من الغبش الذى أحدثه الفكر الإرجائى، فضلا عن الغبش الذى أحدثه الفكر العلمانى المستحدث، وكلاهما حمض أكال يوهن بناء العقيدة، ويفرغها من محتواها الحى، ويفقدها قوتها الفاعلة التى كانت لها يوم أن كانت على حقيقتها كما أنزلها الله ، {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ }النور55

إذن فنحن نسعى لإقامة الدين المنزل ليس الدين المحرفة معانيه إنما الدين الذى ارتضاه الله للناس وهذا الدين الذى ارتضاه الله للناس إنما هو شرعة ومنهاج

 

كما قال الله " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" , أيها الأمم { شِرْعَةً } شريعة { وَمِنْهَاجاً } طريقا ومسلكاً واضحاً في الدين يمشون عليه , وقال مجاهد: الشِّرْعة والمِنهاج دين محمد عليه السلام ، إذن فنحن نتعبد الى الله بأمرين بالشريعة المنزلة وأيضا بالطريقة أى بالمنهاج المنزل على النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لتتبعه لإقامة هذه الشريعة، لذلك من المهم أن نتلمس طريقة النبي صلى الله عليه وسلم اى منهاجه فى إقامة وبناء الدين فى الجيل الفريد الأول أى جيل الصحابة إن نحن أردنا حقيقة أن نعيد بإذن الله أمر هذا الدين مرة أخرى ، لذلك فالمسلمون المخلصون الذين يريدون خيرا لأمر هذا الدين لا يجب أبدا أن يتناولوه على أنه مواعظ, أو حكايات ,أو ثقافات متناثرة وإنما يجب أن يعرفوا طريقاً متواصلاً ، يخرجوا من خطوة إلى خطوة إلى خطوة عبر استقامة لا تخطيء وعبر قصد إلى الله عز وجل لا يحيد ولا يزيغ ولا يتلكأ ,

لذلك فإن حديثنا هو عن الطريقة التي أخرج الله تبارك وتعالى بها الناس والذين آمنوا على وجه الخصوص من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام وهى نفس الطريقة التي يخرج الإسلام بها دائماً المسلمين في كل جيل من الأجيال ، في جيلنا هذا ، في الجيل القادم ، في أي جيل من الظلمات إلى النور، {فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا ، قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً : رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ. وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً. قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً} الطلاق10-11 ، أى أنهم ليسوا بمجرد أن آمنوا فهم قد خرجوا من الظلمات الى النور إنما هناك برنامج آخر وطريقة ومنهاج يجب أن يمروا به هؤلاء الذين آمنوا حتى يخرجوا كلية من الظلمات الى النور وإن كانوا قد وضعوا على بداية الطريق حينما إنتقلوا من ظلمات الجاهلية الى نورانية الإسلام

 ولذلك فإن الدعاة اليوم يجب أن يؤسسوا عند صنف معين من المسلمين ذوو الأخلاق الأساسية من كرم  وشجاعة وشهامة وصدق وهمة وذكاء وفطنة وإقبال وإقدام وجدية وعزم وعزيمة , أى المسلمون الذين لديهم الجدية فى الأخذ بعزائم الأمور الى الله لكى تدخل الجنة وتأخذ بإيدى الناس الى الجنة , هؤلاء الذين يجب أن نخاطبهم بداية فهؤلاء الذين يريدون أن يصلوا الى الله تعالى بتمكن , وهؤلاء الذين يجب أن يعرفوا كيف نقل الإسلام الناس من الظلمات الى النور

وهنا يطرح سؤال : وباقى الناس وباقى المسلمون ووضعهم هكذا أنتركهم أم أننا مخاطبون ومأمورون بأن ندعوا كل الناس أوليس هذا الدين للناس كافة؟ نقول : نعم إن هذا الدين للناس كافة ونحن مسؤولون  أمام الله عن هداية هؤلاء الناس وهم إخواننا وأحباؤنا ونحب لهم الخير أن يصل إليهم ولكننا كما ذكرنا سابقا فإن أمر إقامة هذا الدين فى الأرض ليس أمرا يؤخذ هكذا خبط عشواء دون طريقة موضحة فى كتاب الله وسنة نبيه  فنحن نتعبد الى الله بالشريعة المنزلة وأيضا بالطريقة المنزلة أى بالمنهاج وإننا لمحاسبون أشد الحساب إن  لم نسعى لنتعلم ونتلمس خطوات النبى صلى الله عليه وسلم  فى إقامة أمر هذا الدين فى الجولة الأولى. وهنا نستطيع أن نتسائل فقط من أجل أن نحاول أن ندرك أو أن نتفهم ، لماذا أرسل الله عز وجل رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وهو فى الأربعين من عمره ولماذا لم يرسله وهو فى الثلاثين مثلا ، ألم يمت فى هذه العشر سنوات الكثير من الناس على الشرك والضلالة  ولماذا أرسله بعد قرابة ستمائة عام من بعثة نبى الله عيسى عليه السلام وليس خمسمائة فقط ، ألم يقع خلق كثير فى ضلالات الجاهلية ولم يهتدوا الى نورانية الإسلام؟ ولكنها أقدار الله يهدى بها الله من يشاء من عباده ، وفى حقيقة الأمر فإنه ليس لنا من الأمر ولا حتى لرسول الله         شيئ كما قال الله عز وجل له فى كتابه الكريم  {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ}آل عمران128 وقال أيضا  {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ}البقرة272 فأمر هداية الناس وعودتهم وأوبتهم الى رشدهم فهو بيد الله ليس لنا إنما الذى علينا هو أن نتعبد الى الله كما أمرنا ربنا بالشريعة والطريقة وليس بالشريعة فقط أو الطريقة فقط إنما بالإثنين معا (سنشرح لاحقا الطريقة مختصرة بإذن الله جل وعلا وهى تدور ما بين تأسيس قاعدة صلبة كالمهاجرين والأنصار وبين إنطلاقة الى الجماهير فى حينها بكلمات محددة حتى يصبح مفهوم الإسلام عندنا أى عند الدعاة هو مفهومه عند الجماهير)

وكم من مرة وفى أوقات كثيرة جدا من التاريخ الإسلامى , نزل المسلمون الى الحضيض ثم قامت الدعوة الإسلامية تحدثهم و ترفع فهمهم وهمتهم وقدراتهم وذلك على منهاج النبى صلى الله عليه وسلم فإذا بها تنقلهم مرة أخرى الى نورانية كاملة , ومثال ذلك فى دولة المرابطين فى الأندلس وحدث هذا حتى مع قيام الدولة العثمانية لأن السر فى المنهاج الموجود فى التبيان أى فى القرآن وسيرة النبى صلى الله عليه وسلم        , منهج موجود معلوم وواضح لكل الناس ولكنهم قد يهملوه ويضعوه جانبا ويعملوا لإقامة هذا الدين بعقولهم وبُنيّات أفكارهم دون إلتصاق واصطباغ بالقرآن وبالمنهاج الموضح فيه  {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ }سبأ50 ، فيتعطل هذا المنهاج ويقف عن العمل حتى يمدوا إليه أيديهم ويخرجوه ويقرؤوه ويطبقوه فيسيروا على هداه وخطوه فيرتفعوا كما ارتفع سلفنا الأول وإن شاء الله ليتمن الله هذا الأمر بعز عزيز أو بذل ذليل حتى يعود الإسلام على منهاج النبوة الأولى كما صحت بذلك أحاديث النبى المصطفى  صلى الله عليه وعلى آله وسلم

 

ولذلك فإننا نتسائل ما الذى جعل المسلمون فى هذا الجيل يتركون أو   يسقطون كلمة من الآية هم غير منتبهين أنهم أسقطوها وإنها وقعت منهم, كما فى  قول الله تعالى {.......ِ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً .....}المائدة48  حيث أن الدعاة يتمسكوا بالشرعة وهى مهمة وشرعة الله غالية وشرعة الله عز وجل هى الشريعه الإسلاميه ولابد من إعمالها والجهاد فى سبيل إعمالها لكن الآية تقول {.......ِ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً.....}المائدة48  فتساءلنا كثيرا ما الذى جعل المسلمين يسقطون كلمة المنهاج ويمسكون فى الشرعة فقط ولا ينظرون الى مسأله المنهاج والطريقة فى اقامة الدين , ولا يوجد لدينا تفسير ولا سبب ولا تعليل إلا فقط أن المسلمين استسهلوا الطريق وظنوا أنهم إن فعلوا ذلك فإنهم يختصرون الطريق ولم يدر بخلدهم أنهم يعطلون المسير

ومن عجيب الأمر ومما يؤسف له , أن أجيالا حتى من المتدينين إذا بها تسمى "عليكم بسنتي" تتصور أن السنن هي فضائل الأعمال ,أو هي أعمال الفضائل ,لا يا اخوة السنة هي المنهاج ,السنة هي الطريقة ,السنة أمر كبير "عليكم بسنتي" أي عليكم بمنهجي وطريقتي ونهجى في الخروج من الظلمات إلى النور ولكن الذين أرادوا أن يقزموا مفاهيم الإسلام , , يتكلمون عن السنة كما لو كانت هي المرضيات وهى المتناثرات فهم بذلك قد حطوا من قيمة ومن معنى سنة النبي عليه الصلاة  والسلام ولم يعودوا يدركون أنها طريقة ومنهاج وجهد وجهاد وتحمل كبير , لذلك نحن نحاول أن نعيد الأمة مرة أخرى أن تعرف أين هي الآن وما هو طريقها وماذا يجب عليها أن تنهج وأن تتجه.

لذلك يجب أن يؤخذ هذا القرآن بهدىٍ ممن طبقه ودعا إليه صلى الله عليه وسلم ،وقد يتصور البعض أنه إن قرأ القرآن فقد خرج من الظلمات إلى النور ,وهذا الكلام غير ممكن , غير موجود وإنما يجب أن يقرأ القرآن بهدى ممن طبق هذا القرآن ودعا إليه , وهو النبى  صلى الله عليه وسلم , ولذلك قال الله عز وجل {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً }الإسراء106 وكما يقول صاحب الظلال رحمه الله الفرق مقصود والمكث مقصود ولكن الخصوم من الكفار لم يعجبهم طريقة إنزال القرآن ولم يستطيعوا أن يتلاعبوا بالشريعة فأرادوا أن يبذلوا محاولة لتغيير الطريقة والمنهاج فاقترحوا أن يتنزل القرآن جملة فحكى الله عنهم قولهم هذا {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً }الفرقان32 أى كذلك لم ينزله جملة وإنما رتله الله رتلا وراء رتل حتى يثبت به فؤاد النبى صلى الله عليه وسلم وحتى يتنزل بطريقة أرادها الله عز وجل ، اذن هناك الآيات والأحاديث والنصوص أى أن هناك  الحق أى هناك الحق وهناك سياسة وطريقة لتنفيذ وإنفاذ هذا الحق وتوقيت لإنزال الحق

 وقد يتصور البعض أننا نتكلم عن قضية قديمة حدثت لكفار قريش ,وأنها قضية إخراج الناس من الظلمات إلى النور فى مكة , وهذا التصور خاطئ ولابد أن نعلم أن هذه القضية هى فى الحقيقة قضيتنا نحن فى هذا الجيل أيضا بمعنى أن شخص النبى  صلى الله عليه وسلم وسيرته لم تخرج الناس من الظلمات إلى النور أيام الجاهلية الأولى وفقط , وإنما ستخرج بإذن الله أيضا اليوم من أراد ذلك , فلا نستطيع نحن بمجرد اتصالنا بالقرآن فقط أن نخرج من الظلمات إلى النور ، بل لا بد  من شخص النبى عليه الصلاة والسلام  وهذا الكلام ورد كثيراً جداً فى القرآن الكريم وورد كثيراً جداً فى السنة النبوية المطهرة , وورد أن النبى  عليه الصلاة والسلام يرسل عبر الأجيال وعبر العصور رسائل تطير عبر العصور لتصل إلى المسلمين فى هذا العصر أو بعده أو قبله , يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أي الخلق أعجب إليكم إيمانا؟ " قالوا: الملائكة، قال: " وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟! " قالوا: فالنبيون، قال: " وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟! " قالوا: فنحن، قال: " وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ! " قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا إن أعجب الخلق إيمانا لقوم يكونون من بعدكم يجدون صحفا فيها كتاب يؤمنون بما فيها " ،  فيؤمنون بما فيها يؤمنون بالنبى عليه الصلاة والسلام  ,ويقول "صلوا كما رأيتمونى أصلى" ,لذلك فإننا نبحث فى السنة عن تخيل شكل النبى  عليه الصلاة والسلام , "خذوا عنى مناسككم" , وانظروا فى مطابقة طريقة الإعادة بطريقة الإنشاء أول مرة فى الجيل الأول الفريد حيث تتشابه تعبيرات النبى تماما, يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها . ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ، فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها الله إن شاء أن يرفعها ، ثم تكون ملكا عاضا فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ، ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة".

النبى  عليه الصلاة والسلام يقول هناك نبوة وبعد النبوة خلافة راشدة أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وبعد الخلافة الراشدة ملك عضود أجارك الله , ملك ياتى بولى عهد وتقاتل عليه ,وبعد الملك العضود حكم جبرى دكتاتوريات تدير الدنيا , وبعد ذلك يقول خلافة راشدة على منهاج النبوة , ومن أين سيأتى هذا الجيل المتأخر بمنهاج النبوة هذا بعد أن تنقضى النبوة والخلافة الراشدة والملك العضود والملك الجبرى ,أى بعد بعد عشرات القرون أو عشر قرون أو خمسة عشر قرنا أو غير ذلك يقيموا خلافة راشدة على منهاج النبوة , من أين لهم ؟ من أين عرفوا منهاج النبوة ؟ اذن لابد من حسن الإتصال به وبسيرته ونهجه وخطواته,

يقول الله عز وجل {الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ }إبراهيم1أى أنه بالكتاب وبهدى وطريقة النبى صلى الله عليه وسلم تخرج الناس من الظلمات الى النور ، بل إنه صلى الله عليه وسلم ذكر لنا ما سنقع فيه الآن , قال , إنكم سترون بعدى اختلافاً كثيراً , قالوا فماذا تأمرنا , قال "عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى عضوا عليها بالنواجذ" , فعضوا عليها بالنواجذ , أى تمسكوا بها ولو بغرس نواجذ أسنانكم فيها حتى لا تفلتوا منها ,  ولذلك السنة ليست هى  فقط طريقة الأكل أو الشرب أو النوم أو الزواج وغيرها فى الإسلام ولكن السنة هى الطريقة هى المنهاج هى الصياغة صياغة الحياة , كيف أعيش حياة مصوغة على نهج النبى عليه الصلاة والسلام , هذه هى السنة ,  اذن عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى , أى عليكم بطريقتى وطريقة الخلفاء الراشدين فالنبى عليه الصلاة والسلام كان هو المفتاح الأول المرسل إلى أجيال البشرية كلها لإخراجهم من الظلمات الى النور, ولذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم يذكرون كل دقيقة صغيرة أو كبيرة عن النبى عليه الصلاة والسلام ، ويقول الله جل وعلا كل هذا يجب ان يوضع فى الحسبان  ونحن نتلمس حياة النبى صلى الله عليه وسلم وطريقته ومنهاجه , يقول الله تبارك وتعالى فى آية واضحة وضوح الشمس فى رابعة النهار , يقول تبارك وتعالى :

 { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين } [الأنعام/162-163]

 فلو أن الله تعالى قال قل إن صلاتي ونسكي وحياتى وموتى لله رب العالمين فلن  يكون هناك جديد فى الآية, وذلك لأن الحياة لله فهو الذى يحيى ويميت وهو الذى يعطى لهذا مواليد وهذا يجعله عقيما وهذا يحييه وهذا يميته ، هذا إن قالت الآية قل إن صلاتي ونسكي وحياتى وموتى , انما كلمة محياى ماذا تعنى ؟

 قالوا المحْيى غير الحياة , المَحْى هو مذهب الحياة , مذهب العيش مأخذ الحياة أى طريقتها أى كيف أحيا وعلى أى منهج أعيش فى كل لحظة من حياتى؟, ولذلك النبى صلى الله عليه وسلم قال المحى محياكم والممات مماتكم , فى الحديث (في رواية ان الانصار رضي الله تعالى عنهم قالوا فيما بينهم أترون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فتح الله أرضه وبلده يقيم بها فلما فرغ صلى الله عليه وسلم من دعائه قال ماذا قلتم قالوا لا شيء يا رسول الله فلم يزل بهم حتى اخبروه فقال صلى الله عليه وسلم معاذ الله المحيا محياكم والممات مماتكم) , أنه مذهب الحياة ، ولأنه لا تكليف على الانسان عند لحظة الموت فكيف تأتى الآية وتقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }آل عمران102 فيكون المعنى المقصود كما ذكر علماء التفسير بأنه يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله، وعملوا بشرعه, خافوا الله حق خوفه: وذلك بأن يطاع فلا يُعصى, ويُشكَر فلا يكفر, ويُذكَر فلا ينسى, وداوموا على تمسككم بإسلامكم إلى آخر حياتكم; لتلقوا الله وأنتم عليه، والمداومة على الحياة فى ظل الشريعة على طريقة النبى صلى الله عليه وسلم الى آخر الحياة هو المحيا

ولذلك روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخل أحدهم جحر ضب لاتبعتموه قالوا يا رسول الله من اليهود والنصارى قال فمن إذاً

(بَاب قَول النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لتتبعن سنَن من كَانَ قبلكُمْ)

أى قَوْله سنَن من كَانَ قبلكُمْ بِفَتْح السِّين وَالنُّون أَي طَريقَة من كَانَ قبلكُمْ يَعْنِي فِي كل شَيْء مِمَّا نهى الشَّرْع عَنهُ وذمه

 

وحتى نعلم أن هذه الطريقة مرسومة فى كتاب الله وسنة نبيه  صلى اله عليه وسلم نعطى فقط بعض الأمثلة لذلك ونقول : أننا قد نفاجأ بأنه فى بعض النصوص فى القرآن  والسنة تمنع الإشتغال ببعض العبادات أى ببعض الحق لماذا ؟

لأنك لوعملته قبل وضع اساسه سيكون فتنة لك. يقول الرسول  صلى الله عليه وسلم عن عبد الله ابن سلول رأس النفاق حينما أتاه ولده يقول : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فِيمَا بَلَغَكَ عَنْهُ، فَإِنْ كُنْتُ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَمُرْنِي بِهِ، فَأَنَا أَحْمِلُ إِلَيْك رَأسه، فو الله لَقَدْ عَلِمَتْ الْخَزْرَجُ مَا كَانَ لَهَا مِنْ رَجُلٍ أَبَرَّ بِوَالِدِهِ مِنِّي، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ غَيْرِي فَيَقْتُلَهُ، فَلَا تَدَعُنِي نَفْسِي أَنْظُرُ إلَى قَاتِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَمْشِي فِي النَّاسِ، فَأَقْتُلَهُ فَأَقْتُلَ (رَجُلًا) مُؤْمِنًا بِكَافِرِ، فَأَدْخُلَ النَّارَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:بَلْ نَتَرَفَّقُ بِهِ، وَنُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا وَجَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا أَحْدَثَ الْحَدَثَ كَانَ قَوْمُهُ هُمْ الَّذِينَ يُعَاتِبُونَهُ وَيَأْخُذُونَهُ وَيُعَنِّفُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ، حِينَ بَلَغَهُ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِهِمْ: كَيْفَ تَرَى يَا عُمَرُ، أَمَا وَاَللَّهِ لَوْ قَتَلْتُهُ يَوْمَ قُلْتَ لِي اُقْتُلْهُ، لَأُرْعِدَتْ لَهُ آنُفٌ، لَوْ أَمَرْتهَا الْيَوْمَ بِقَتْلِهِ لَقَتَلْتُهُ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: قَدْ وَاَللَّهِ عَلِمْتُ لَأَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْ أَمْرِي. أى  {لو قتلته يوم كذا لأرعدت له أنف ولو امرتهم اليوم لفعلوا}هم انفسهم اهله وليس غيرهم ، أذن هناك طريقة وهناك توقيت  

ويقول لعائشه وَقد كَانَت [الْكَعْبَة] عَلَى بِنَاءِ الْخَلِيلِ مُدَّةً طَوِيلَةً، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بَنَتْهَا قُرَيْشٌ، فَقَصُرَتْ بِهَا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ مِمَّا يَلِي الشَّامَ على ماهى عَلَيْهِ الْيَوْمَ ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَ عَن ابْنَ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " أَلَمْ تَرَيْ أَن قَوْمك حِين بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ " فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيم؟ فَقَالَ: " لَوْلَا حدثان قَوْمك [بالْكفْر لفَعَلت] " ، وفى رِوَايَة " لَوْلَا أَن قَوْمك حديثوا عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، أَوْ قَالَ بِكُفْرٍ، لَأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالْأَرْضِ، وَلَأَدْخَلْتُ فِيهَا الْحِجْرَ ". أى لولا ان قومك حديثوا عهد بجاهليه لفعلت كذاوكذا أى أتركيهم لا تقولى لهم هذا القدر من الحق الآن. ويقول أن الجهاد فى سبيل الله حق ولكن كفوا ايديكم  والنبى  صلى الله عليه وسلم عندما اعتمر عمرة القضاء كانت الأصنام مازالت حول الكعبة كان يطوف والأصنام حول الكعبة ولا يكسر الأصنام فى ذلك الوقت  .اذن وجدنا فى الآيات والأحاديث نصوص ان هناك  حق والنبى  صلى الله عليه وسلم لم يفعله وهذه هى الفكره متى يفعل الحق وكيف ينفذه أى طريقة إنفاذه أى المنهاج

 

 ورأينا أيضا فى سنة النبى صلى الله عليه وسلم أنه من خالف الترتيب تنكر عليه  الآيات والأحاديث فمثلاً دعوة سيدنا ابراهيم قال  {ربنا وابعث فيهم رسول ......يتلو ...ويعلمهم ....ويزكيهم}  وعندما استجاب الله عز وجل له بدل ترتيب الدعوات فجعل التزكية قبل التعليم وقال {يزكيهم ويعلمهم....}لأنه لاينتفع بالعلم إلا صاحب النفس الزكية فلابد من تزكية النفوس قبل تعليمها لكى يعطى العلم أثرهومثال آخر بعد غزوة بدر اخذوا أسرى نزلت آية تقول خالفتم الترتيب {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ }الأنفال67 يقول النبى  صلى الله عليه وسلم لو نزل بنا عذاب بهذه الآية ما نجا منا احد إلا انت يا عمر .لاحظوا ما نجا هل  هم  فعلوا شيئا خطأ ؟ نحن لم نعصى لم يكن عندنا آية وخالفناها ولكن كان المفترض أن نتوقع الترتيب كيف يكون ولكننا لم نتوقع فيقول له لو نزل عذاب ما نجا منه إلا انت ، وهذه هى أهمية الترتيب ، اذن هناك آيات وأحاديث نصت على الترتيب لدرجة ان مخالفته  شىء عظيم وكبير فنجاة سيدنا عمر بسب انه وافق الترتيب الصحيح وهو انه يجب ان يسبق الأسر الإثخان فى الأرض وهو سحق العدوعن بكرة أبيه والسيطرة الكاملة  ، إذن الترتيب مهم جداً فنجد نصوص كثيره تذكر ان النبى  صلى الله عليه وسلم قام بالتمهيد قبل البدء فى الدعوة إذن ترتيب الآيات ، كترتيب نزول شىء وأحداث السيرة شىء والألفاظ التى صرح بها  النبي صلى الله عليه وسلم شىء

بل هناك آيات وأحاديث تنهى المسلمين نهيا صريحا عن ادخال موضوعات من عندهم غير التى يطرحها عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم ( اياكم وكثرة السؤال فانما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم على انبيائهم ) و قال ذرونى  ما تركتكم .وقال الله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } المائدة101   ولكنهم كانوا يريدون أن يعلموها ويعرفوها فقالت لهم الآية الكريمة { وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ }المائدة101  اذن النهى ليس عن السؤال ولكن عن توقيت السؤال وعن الترتيب وآية اخرى عظيمة تقول {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } الإسراء36 الآيات تقول أن الإنسان عند تناوله لموضوع يجب أن يتناوله فى وقته. ومن طريقة القرآن أنه يندد بالقفز من خطوة الى خطوة ويندد بالاستعجال فمثلا تجد الإسلام وهذا من المحددات يندد بالقفز من خطوة الى خطوة ويندد بالاستعجال {فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً }مريم84 {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ }الأحقاف35فهذه آى القرآن  ويقول {وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ }الأنعام35 افعل ما تشاء من أنفاق وسلما ولكنك لن تستطيع فاصبر على الطريق (وما صبرك الا بالله ) {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ } النحل 127 { وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ } يونس 109 ويقول عز من قائل  {قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ } المؤمنون93 و يقول { وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ }  الأنعام35

( فذرهم ) يقول { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } النساء63 ، إذن الخلاصة أن هناك ترتيب وهناك خطوات محددة لا يحق لأحد أن يتجاوزها أى أن هناك منهاجا لأقامة هذا الدين وطريقة محددة ليست هكذا خبط عشواء كما عاش هذا الجيل الذى نحياه

ولقد أمرنا ربنا سبحانه وتعالى أن نقول للذين لا يؤمنون بآيات الله أن يعملوا ما يشاؤون من برامج وخطط بطريقتهم ومكانتهم لأننا أيضا عاملون ولكن على طريقتنا ومنهاجنا فقال الله عز وجل {وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ }هود121

 

وبعد هذه المقدمة الطويلة فإننى أعود للإجابة عن السؤال الأول وهو ما هى مهمة الرسل حين يرسلهم الله الى أقوامهم؟ إن مهمتهم هى أن يتلو آيات الله على الناس بينات واضحات مبينات وهذه مجموعة من الآيات تبين ذلك ، يقول الله عز وجل :

 

 

{رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً }الطلاق11

 

{رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً }البينة2

 

{أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }العنكبوت51

 

{وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ }القصص59

 

{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ }الحج72

 

{وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ }الزمر71

 

 

{كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ }البقرة151

 

 

{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ }البقرة129

 

{لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ }آل عمران164

 

{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ }الجمعة2

 

 

{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُّفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ }سبأ43

 

وهذه هى الحقيقة الأولى وهي أن بعثة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - كانت ضرورية لتحويل الذين كفروا من أهل الكتاب ومن المشركين عما كانوا قد انتهوا إليه من الضلال والاختلاف ، وما كانوا ليتحولوا عنه بغير هذه البعثة :

«لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ : رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً ، فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ» ..

نفصلها فيما يلي :

لقد كانت الأرض في حاجة ماسة إلى رسالة جديدة. كان الفساد قد عم أرجاءها كلها بحيث لا يرتجى لها صلاح إلا برسالة جديدة ، ومنهج جديد ، وحركة جديدة. وكان الكفر قد تطرق إلى عقائد أهلها جميعا سواء أهل الكتاب الذين عرفوا الديانات السماوية من قبل ثم حرفوها ، أو المشركون في الجزيرة العربية وفي خارجها سواء.

وما كانوا لينفكوا ويتحولوا عن هذا الكفر الذي صاروا إليه إلا بهذه الرسالة الجديدة ، وإلا على يد رسول يكون هو ذاته بينة واضحة فارقة فاصلة : «رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً» .. مطهرة من الشرك والكفر «فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ» .. أى فيها موضوعات قيمة  ، عقيدة خالصة في الضمير ، وعبادة للّه ، تترجم عن هذه العقيدة ، وإنفاق للمال في سبيل اللّه ، وهو الزكاة .. فمن حقق هذه القواعد ، فقد حقق الإيمان كما أمر به أهل الكتاب ، وكما هو في دين اللّه على الإطلاق. دين واحد. وعقيدة واحدة ، تتوالى بها الرسالات ، ويتوافى عليها الرسل .. دين لا غموض فيه ولا تعقيد. وعقيدة لا تدعو إلى تفرق ولا خلاف ، وهي بهذه النصاعة ، وبهذه البساطة ، وبهذا التيسير. فأين هذا من تلك التصورات المعقدة ، وذلك الجدل الكثير؟
فأما وقد جاءتهم البينة من قبل في دياناتهم على أيدي رسلهم ثم جاءتهم البينة ، حية في صورة رسول من اللّه يتلو صحفا مطهرة ويقدم لهم عقيدة ، واضحة بسيطة ميسرة ، فقد تبين الطريق. ووضح مصير الذين يكفرون والذين يؤمنون :

«إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ. جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ، ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ» ..
إن محمدا - صلى اللّه عليه وسلم - هو الرسول الأخير وإن الإسلام الذي جاء به هو الرسالة الأخيرة.
وقد كانت الرسل تتوالى كلما فسدت الأرض لترد الناس إلى الصلاح. وكانت هناك فرصة بعد فرصة ومهلة بعد مهلة ، لمن ينحرفون عن الطريق فأما وقد شاء اللّه أن يختم الرسالات إلى الأرض بهذه الرسالة الأخيرة الجامعة الشاملة الكاملة ، فقد تحددت الفرصة الأخيرة ، فإما إيمان فنجاة ، وإما كفر فهلاك. ذلك أن الكفر حينئذ دلالة على الشر الذي لا حد له ، وأن الإيمان دلالة على الخير البالغ أمده.
«إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها. أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ» حكم قاطع لا جدال فيه ولا محال. مهما يكن من صلاح بعض أعمالهم وآدابهم ونظمهم ما دامت تقوم على غير إيمان ، بهذه الرسالة الأخيرة ، وبهذا الرسول الأخير. لا نستريب في هذا الحكم لأي مظهر من مظاهر الصلاح ، المقطوعة الاتصال بمنهج اللّه الثابت القويم.

«إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ، أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ».
حكم كذلك قاطع لا جدال فيه ولا محال. ولكن شرطه كذلك واضح لا غموض فيه ولا احتيال. إنه الإيمان. لا مجرد مولد في أرض تدعى الإسلام ، أو في بيت يقول : إنه من المسلمين. ولا بمجرد كلمات يتشدق بها الإنسان! إنه الإيمان الذي ينشئ آثاره في واقع الحياة : «وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ». وليس هو الكلام الذي لا يتعدى الشفاه! والصالحات هي كل ما أمر اللّه بفعله من عبادة وخلق وعمل وتعامل. وفي أولها إقامة شريعة اللّه في الأرض ، والحكم بين الناس بما شرع اللّه. فمن كانوا كذلك فهم خير البرية.
«جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً»

ولأنه لا نبى بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لذلك فإن مهمتنا هى ذات المهمة التى أرسل بها المصطفى صلى الله عليه وسلم وهى تلاوة آيات الله بينات على الناس دون مداراة ودون مداهنة ودون لبس ولن ينفك الناس اليوم ولن ينتهوا عما هم فيه من الضلال وضعف الإقبال على الهداية وعدم الرغبة فى الآخرة إلا إذا تليت عليهم الآيات واضحات كما أنزلها الله.