إزالة الصورة من الطباعة

بناء الشَخصية الإسْلامية 2- خُلُقُ الصَبر

الصَبرُ خَليقةٌ من الخَلائِق التي زَرَعَها الله سُبْحَانه في بني آدم رَحمَة مِنه وفَضْلاً، إذ عَلِمَ سبحانه أنّ الإنسان سيُلاقى من جَالِبات الهَمّ والغَمِّ ومُولِّدَات الحُزْنِ والأسَى ما سيُلاقى في رِحْلة عُمُره، بل في كل يوم من أيام رِحْلَة عُمُره، فمَنّ سُبحانه عليه بهذه الخَليقَة التى، شأنُها شأنُ غيرها من الخلائق، إن أخَذ بها، ثمّ أحسَن في الأخذ بها، أفَلَحَ وفَاز، وإن غَضّ عنها ونَسِيَها، خَسِرَ وخَاب.

والصّبرُ، في لِسَانِ العَرب، مُشتقّ من الحَبْسْ، وكأن صَاحبَ الصَبرِ إنما يَحبِسُ ما يلاقى من ألَمٍ وأسىً دَاخِل جُدرَان نَفسِه، لا يُشهد عليها أحدٌ، إلا الله. وهو ما يَحمِل من المَعَاني الجَميلة والتوجِيهات الفَريدة ما تنْبَهِر به العُقول وتنشَرِح له الصُدور.

مِن هذه المَعَانِي، أنّ الصَابرَ، وإن حَبَس الألم في قلبه، فهو يَشعرُ به ويتوجّعُ منه، شأنُه شَأن من لا يَصْبِر، بل أشَدّ وأعْمَق، إذ إنّ من لا يَصبر يجد مُتنفّسَاً في الدنيا يَنَفّسُ فيه حُزْنَه ويَنفُثُ منه شَظايا ألمَه، أما الصَابر، فإنّ ألمَه حَبيسُه، يَسجِنُه داخِل جُدران قلبِه ويُحْكِمُ وَثاقَـه أن يتفلّت من بين شَفاه، فَيدُلُ على ما بِه، وإن خَانَت العَينُ مَرّة بدَمْعَةٍ، أو زَلَفَ الفَمُ بِزَفْرَةٍ. وهذا الحَبْسُ هو ما يُزِيدُ الألُم ألمَاً، ويُضَاعِفُ الحُزن حُزْناً. من هنا كان الثوابُ على الصَبرِ نافلةً الثوابِ على المُصَاب.

والصَبرُ خُلُقٌ يَقعُ بين نقيصَتَيّ الجَزَعُ والتَبَلُّد. فالجَزِعُ من الناسِ لا يقدِرُ على إسْتيعاب أسْبابِ المُصِيبة، والمُتَبَلِد لا يقدِر على إسْتيعاب نتائِجَها. والجَزَعُ نَقصٌ في القُدْرَة العَقْلِية، والتَبَلُّدُ نَقصٌ في القُدْرَة النَفسِيّة.

ولنا في نبيّ الله يَعقوب عليه السلام مثلٌ يدلّ على ما ذهبنا اليه. إذ إبتلاه الله سبحانه بفَقدِ الولد، يوسف عليه السلام، وهو ألمٌ لا يعرفه إلا من عاناه، فما كان صبرُه مانعاً من بكاءٍ متواصلٍ ذهب بصره وتركه كفيفاً، كما لم يصدّه عن النظر إلى حكمة الله في ذلك فقال " قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًۭا ۖ فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا" يوسف 83. فلم يصدر عنه قولَ إلا الحقّ، بل وأظهرَ ما يتمشّى مع الصَبر الجَميل على قضَاء الله، وهو الأمَلُ الجَميل في رَحْمَة الله.

والصَبرُ يكون على كلّ ما يَحمِل مَشَقة لبني آدم، ومن هنا كان الصبرُ على قَضَاء الواجِبات وإلتِزام التَكليفات، فهي مما تَحمِل مَشَقَّاتٍ ثلاثة، مَشَقّةٍ في أدَائِها، ومَشَقّةٍ في إلتِزامِها، ومَشَقّة في إحْسَانِها، وعلى هذا قدر كلّ منها يكون ثَوابَ عَمَلِها.

والصبر هو خلق الأنبياء، إذ هم إئمة الصبر وحملته، لِما تعرضوا له من تَكذيبٍ وتَعريضٍ وأذىً ومَشَقَة ونِكَاية وفقدِ أهلٍ وولدٍ. من ثمّ، فهو طَريق الآمِلين لا طَريق الغَافلين. وهو مما يَجب أن يتَحلى به المُسلم حتى لا يشْغله اليَأس عَن إعدادِ العُدة، فالنَصْر قَرينُ الصَبر. ولا نصر إلا بحسن التبصّر بالعواقب والتصّبر على المصائب. ألا ترى أنّ فِعْلَي صَبَرَ وبَصَرَ من مادة واحدة!

فالصَبرُ إذن هو طَرِيق المُخلِصِين، وَنفَقُ السَائرين. جلعنا الله وايّاكم ممن يتحَلّى به يوم الحَاجَة اليه.