إزالة الصورة من الطباعة

حوار-المرأة العربية تحظى بحياة أفضل وأكرم من مثيلاتها في الغرب

أكد الداعية الإسلامي الدكتور طارق عبد الحليم أن أبرز التحديات التي تواجه المرأة المسلمة في الوقت الحالي هو زيادة وعي الرجال بقيمة المرأة، مشدداً على ضرورة أن تعمل المرأة على تنمية مَداركها دون أن تنتظر رجلها أن يقوم بكلّ شيء من حولها ليمكن لها أن تتحمل المسؤولية معه.
ولفت عبد الحليم في حوار خاص لموقع (وفاء لحقوق المرأة) إلى ضرورة أن تبنى العلاقة الزوجية على مبدأ المَودة والرحمة التي شرعها الدين الإسلامي الحنيف، لا على الأمرِ والخُضوع.
وأشار إلى أن التضييق على التعدد المباح، بشروطه، ومحاولة تجريمه من ناحية، وصعوبة الحياة وغلائها من ناحية أخرى، كذلك عدم وعي الرجال بمسؤلية الزواج وحرمة التلاعب بمقاصده، جعل البعض يتجه نحو ما يطلق عليه الزواج السياحي أو الموسمي.
أسئلة كثيرة وقضايا عديدة طرحناها على مائدة الدكتور طارق عبد الحليم، فدار هذا الحوار العميق.

كان الإسلام سباقاً في إعلاء قيمة ومكانة المرأة، برأيكم ما هي الحقوق الإسلامية التي ما زالت لا تتمتع بها المرأة حتى الآن؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد، لا شك أن الإسلام أعلى مكانة الإنسان بوجه عام، إذ خلقه في أحسن تقويم، ثم أعطى المرأة مكانتها كقرينة للرجل سواء بسواء، مع تمييز الحقوق والواجبات التي تجب لأحدهما على الآخر، وهو ما تستلزمه طبيعة الرجل وطبيعة المرأة في كافة الجوانب، الجسدية والنفسية والعقلية.
وقد وقع ظلم -لا شك فيه - على المرأة خلال عصور طويلة بسبب جهل الرجال، أو بسبب التقاليد المَرعِية في بعض المجتمعات، مثل تقييد حريتها في التعليم، وأهم من ذلك حقها الشعوريّ في إظهار الحب والمودة والاهتمام، وأظن هذا هو أهم ما تفتقده المرأة في بلادنا نظراً لضغط الحياة على الرجال ولا شكّ أنه يجب منح المرأة كافة حقوقها التي يكفلها الشرع. ويجب هنا التمييز بين ما هو من حقوق المرأة المشروعة وبين ما يشيع العلمانيون أنه من الحقوق حسب تصوراتهم لدور المرأة في المجتمع.

http://www.wafa.com.sa/new/wafaa/node/3037

فضيلة الشيخ، برأيكم ما هي أبرز المشكلات الحالية التي تواجه المرأة في مجتمعاتنا الإسلامية ؟
لعل أبرز ما يواجه المرأة في مجتمعاتنا المسلمة اليوم من تحديات هو زيادة وعي الرجال بقيمة المرأة وأن يعرف أنها النصف الأدلّ والأرقّ والأجْمل في بناء الأسرة، وهي ركنٌ ركين فيها، وأن يعاملها مثلاً بمثل، كذلك هو إدراكها بحقوقها وواجباتها بشكل صحيح وواقعيّ، دون مبالغة في رفض الرجل أو تأليهه، كما يجب أن تعمل المرأة على تنمية مَداركها دون أن تنتظر رجلها أن يقوم بكلّ شيء من حولها ليمكن لها أن تتحمل المسؤولية معه، فمن طَالب بحق يجب أن يُدرك أن عليه في المقابل واجبا مماثلا، وعلى المرأة أن تكون عامل ترطيبٍ لا تخريب، ثم لا ننسى، وأنا أشهد بهذا من واقع إقامتى بالغرب فترة تزيد على ربع قرن، أن المرأة العربية تحظى بحياة أفضل وأكرم من مثيلاتها في الغرب اللاتي يتعرضن للضرب والاستغلال المادي والمعنوي بنسبٍ كبيرة، إذ إن الإحصائيات تشهد أن امرأة كل سَبعة نساء في أمريكا الشمالية يتعرّضْن للضرب من أزواجهن أو أصدقائهن من الرجال.

القرآن الكريم تحدث عن قوامة الرجل على المرأة، ما هي شروط وطبيعة هذه القوامة، وهل طاعة الزوج مطلقة على زوجته، أم محددة بشروط معينة؟

طاعة المرأة للرجل، بالطبع ليست مطلقة، بل

"لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق"

، ثمّ إن طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة لا يجب أن نتحدث عنها مثلما نتحدث عن العلاقة بين رئيسٍ ومرؤوسٍ، هذا منطلقٌ خَاطئٌ أساساً، فهي علاقة بُنيت على المَودة والرحمة، لا على الأمرِ والخُضوع، ومن ثمّ يجب أن يتعامَل الزوجان على هذا الأساس، حينها ستكون طاعة المرأة محببة إلى نفسها، إذ جاءت بعد تفاهمٍ ومناقشة، كما يسمع الرجل لزوجته ويطيعها إن كان رأيها أصوب وأقرب للحق، وليس في هذا أي إنقاص لقدره.

حقوق المرأة يعتبرها بعض الرجال منحة منهم لزوجاتهم، هل تصحيح هذه المفاهيم المغلوطة قد يساهم في الحد من انتشار مظاهر العنف مع الزوجات، ويجعل الزوجة تشعر بدور حيوي في الأسرة، ومن ثم تقليل حالات الطلاق التي انتشرت بصورة كبيرة هذه الآونة؟

نعم، ولا شك، إذ إنّ تصحيح مفاهيم العلاقة بين الزوجين كما وصّفها الإسلام، سيؤدى لفوائد عميمة، إذ المرأة هي أمنا وأختنا وابنتنا ثم زوجنا، فكيف يمكن الإجُحاف بها؟ لا يفعل ذلك إلا عاصٍ لله ورسوله. والدورُ الحيويّ للمرأة هو في غاية الأهمية.

قضية تعدد الزوجات من بين القضايا المثارة على الساحة العربية هذه الآونة، ما هو المغزى الإسلامي وشروط التعدد، ومتى يُنصح بعدم التعدد ؟

أولاً: أود أن أشدّد على أن افتعال مشكلة للتعدد في بلادنا هو تضْخيمٌ خَبيثٌ لأمرٍ يُشَكّل نِسْبة أقلّ من 1. 0 % من زيجاتِ النّاس! فما الداعي لترويجِ هذه المَسألة كمُشكلةٍ. لكن يجب أن أُنبه على أمور، أولهما أن الغالبية العظمى من الرجال لا يقدِمون عادةً على التعدد إلا إن كان هناك سبب حقيقيّ سواءً كان خلافاً لا يقبل الترقيع، أو مرضاً أو غيره، ثم لا ننسى أن التعدد يحتاج إلى طرفين أحدهما امرأة ليتم، فالطرف الثاني هو امرأة كذلك، وإذ قبلت أن تكون ثانية فلا بد أن في هذا مصلحتها، فنحن إذن أمام مصلحة امرأة يظهر أن كل من يعارض التعدد لا يحسب لها حساباً. فلترفق النساء بالنساء، ولتحرص امرأة على أختها، فقد تجد ابنتها في مكان يحملها على قبول التعدد يوماً ما.  كما أن التعدد مرغب فيه لتكوين الأسر المسلمة وزيادة عدد المسلمين وكفى به سبب شرعي،

ثم إن من يسيء استغلال التعدد، فليعلم أن حسابه على الله، وأن الظلم ظلمات يوم القيامة، وإن هرب بظلمه في الدنيا فلن يجد من دون الله موئلا. والعدل المطلوب ليس هو العدل الإلهيّ لكن العدل البشريّ المقدور عليه، فقد قال تعالى في سورة النساء الآية 3:

فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَ‌ٰحِدَةً

، ثم في النساء الآية 129: 

وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ ٱلنِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ  فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ

، فهما ليستا آية واحدة كما يحلو للبعض أن يتلوهما! ففي الآية الأولى يوجه الله سبحانه إلى أنه إن خيف الظلم فالواحدة تكفى، لأن الظلم حرامٌ والتعدد مباح، ولا يسبق مباح حراماً، ثم في الآية الثانية، يوضح القرآن أن المطلوب من المُسلم ليس هو العَدل المُطلق إذ هو عدلٌ مُستحيل، لكن العَدل الإنساني هو في عدم الظلم البين بأن يتركها كالمعلقة.

المسيار .. السياحي .. الموسمي ، أشكال عديدة للزواج بدأت تطفو على السطح، برأيكم ما هي الأسْباب وراء هذة الظاهرة التي تُخالف تعاليمَ الدينِ الإسلامي، وكيف يُمكن التصدي لها؟

الأسباب وراء هذه الأشكال من الزواج هو التضييق على التعدد المباح، بشروطه، ومحاولة تجريمه من ناحية، وصعوبة الحياة وغلائها من ناحية أخرى، كذلك عدم وعي الرجال بمسؤولية الزواج وحرمة التلاعب بمقاصده، أما عن التصدى له، فمرة أخرى، دعنا لا نُضخّم من هذا الرصد ليصبح ظاهرة، ولا أظن أنه هناك وسِيلة للتصدى لزواج تمّ بطريقة شرعية، بشهود وولي مرشد وجواب وقبول بين رجلٍ وامرأة، بأي طريقة كانت، لكن يمكن أن ننشر العلم بمقاصد الشرع في الزواج وضَرورة إعمال العقل دون الغريزة فيه والحرص على عدم الظلم، وأنّ الشرع وإن لم يجعل حداً لهذا النوع من الظلم، إلا لأن عقابه أشد وأنكى في الآخرة، ثم نترك أمر من يفعل ذلك إلى الله، فهو بينه وبين الله على كلّ حال.

الغرب يعرف أن هدم المجتمعات الإسلامية يأتي عن طريق المرأة، ونرى تيارات تُحسب على الإسلام تردد ما يقوله الغرب من إباحة الاختلاط بين الجنسين وغيرها، ما تعليقكم على ذلك؟

الإسلام حين دعا إلى حرية المرأة فإنما حررها من العبودية للرجال بأن وجّهَهَا لرفضِ أن تكون لعبة للرجل يتمتع بجمالها أينما وكيفما شاء، ولا يراها إلا كَهَدف جنسيّ لا عقل له كما يحدث في الغرب، وصان عرضها من أن تنهشه ذئابُ البشر بعيونها، والأمر في الاختلاط أن النفس البشرية ضعيفة بطبيعتها، والشعور المتبادلُ بين الرجل والمرأة هو شعورٌ طبيعيّ يتولّد بمجرد النظرة، ولو كانت عابرة، وقد وضعه الله في نفوسنا لضمان استمرارية النوع، ثم الشيطان لا يترك أحداً إلا حثّه على التمادى والإستمرار في المعصية كما قال الشاعر:

نظرة فابتسامة فسلامٌ       فكلامٌ فموعد فلقاءُ

ثم ما أدراك ما بعد اللقاء...! فالإختلاط، ولو في مؤتمرات إسلامية أو أغراض يبدو أنها شرعية لا يصح ولا يجوز، والشريعة كلها تنحو نحو عدم الاختلاط ليس بنصٍ واحد ولكن باتجاه عامٍ فيما لا يحصى من النصوص، ألا ترى أنّ صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، وصلاتها في غرفتها أفضل من صلاتها في فناء بيتها؟ ألم تر أن الجمعة لم تُفرض على المرأة؟ ألم تر أنّ المرأة إذا أمّت النساء كانت بينهن في الصف الأول؟ هذا كله تعضيد يدفع بالمرأة إلى أن تبتعد عن الغرباء من الرجال أو أن تتميز في العلن، وهذا ليس حرجا عليها وتضييقا، بل هو تعزيز وتكريم ليتجنب الرجل والمرأة ما لا يُحمد عقباه، ومن زعم أنه ينظر إلى النساءِ بلا غرض أو شهوة فهو إما كاذبٌ أو عنّين.

أقمت لفترة كبيرة في الخارج، كيف ترى حال المرأة المسلمة هناك، وكيف تفسر تضييق الغرب على الزي الإسلامي للمرأة باعتبارة تمييزاً ضدها، وبين دعواته للدول العربية والإسلامية بإعطاء المزيد من الحقوق للمرأة تحت مسميات الحرية والديمقراطية وغيرها من المفاهيم التي يقصد بها إبعاد المرأة عن التعاليم الإسلامية؟

المرأة في الغرب يا أخي مستعبدة بحق، تتقاضى 70% من مرتب مثيلها الرجل في نفس العمل، ومطلوب منها أن تعمل وتشارك في تكاليف البيت، وإن كان عندها صبية يحتاجون الرعاية، فترميهم في دور الحضانات، يشُبّون على أيدي غرباء، ثم عليها أن تقوم بأغراض البيت، ولا تضمن خيانة زوجها الذي لا يردعه دين، ذلك إن تزوجت أصلاً، إذ يكتفي الرجال هنا بأن يتخذها خليلة لا حليلة (GIRL FRIEND)، وهو التعبير الذي اختلقوه لتحليل الزنا.

والرجل متى ما حصل على مراده من المرأة دون زواج ولا مسؤولية، لا يفكر في الزواج، وتصبح المرأة ذليلة أمامه تنتظر منه كلمة الزواج بخوفٍ ووجل، فتسمع له وتطيع، وتمنحه كل راتبها، وتتحمل الضرب والإهانة، حتى يدعها إلى غيرها، ولو أنجبت واجهت الحياة وحدها بوليدها وما أقساها من حياة.

تسمع المرأة في اليوم مئات بل آلاف الفتاوى على الفضائيات المختلفة ومواقع الإنترنت، وقد تحرم بعضها حلالاً أو تحل حراماً، كيف تستطيع المرأة التمييز بين الفتاوى الصحيحة والفتاوى الشاذة؟

هذا أمر تشترك فيه المرأة والرجل على السواء، ومواصفات المفتى الذي يُستمع اليه معروفة، فعليها أن تختار من عُرف أنه من أهل السنّة والجماعة (لا الصوفية!)، وأنه قد عُرف عنه العقل والحكمة، وممن درّبتهُ الأيام وزينتهُ الأعوام، ليس من الشباب الذين علمهم كأنه شريط محفوظ أو كتابٌ مطبوع، ثم أن يكون ممن أشار اليه الناس بالبنان، ولهج بذكره اللسان، لا من اختلفت فيه الآراء، وظهر على وجهه البعد عن السّنة بدعوى التقدمية وتحديث الإسلام، فإن هؤلاء هم شياطين الإنس يدعون الناس على أبواب جهنم، ثم أن يُعرف عنه التقوى وخشْية الله، ثم عليها أن تعرِض الفتوى على ما سَمعت من غيره، ليطمئن قلبها، وأخيراً، فالأمر ليس صعباً والمؤمنة تعرف الحق لأنها من أهله.

الفتاة المسلمة في عصر التقدم التكنولوجي وثورة الاتصالات والإنترنت وخلافه، أصبحت همومها وقضاياها مختلفة عن السابق، كيف يمكن التعاطي معها في هذه المرحلة الحرجة، وكيف يمكن للمجتمع أن يحافظ على قيمه الإسلامية وسط هذا الغزو الثقافي الخارجي الجامح؟

الحقّ أنه لا علاقة للاتصالات والإنترنت بقضايا المرأة، فهي، إن أُحسِنَ استخدامها، كانت عوناً للمرأةِ لأنها مُجرّد أدوات، واهتمامات المرأة الأصيلة لا تتغير، وهي حرصها على أن تكون زوجة صالحة، وأن تحصّل العلم لنفسها ولأهلها وأبنائها وبناتها، وأن تكون عابدة لربها، وأن تعلم أنها قرينة الرجل، كما يقال "عقد القران"، فهى مثل الرجل في موقفها من الله سبحانه، لكنّ كلّ مُيسرٌ لما خُلق له